مصر بين الاحترام و التراب !

الخميس 26 مايو, 2011 عند 9:56 ص | أرسلت فى حقن عامة | أضف تعليق
الأوسمة: , , , , , , , , , , , ,

العنوان الغريب مستوحى من صديقين عادا إلى مصر منذ أيام قليلة .. بطبيعة الحال سألتهم ” مصر عاملة إيه ؟ “

كلاهما شخص لم يعايش الثورة في مصر .. كلاهما كانت لديه نفس الصورة عن مصر قبل 25 يناير .. كلاهما تابع الإعلام و كله شوق و حيرة و أمل و خوف بخصوص المستقبل .. صديقي الأول أجابني مباشرة :
” كويسة و الله .. الناس بتحترم بعضها في الشارع “

طبعا تعجبت من الإجابة و سألته عما يعنيه .. لكنه كان يعنى هكذا بالضبط .. الناس تحترم بعضها أكثر مما كان معتادا قبل الثورة ! .. و سألته عن التواجد الأمني فقال أن الشرطة غير ظاهرة لكن لا توجد مخاطر أو بلطجة بالدرجة التي كان متخوفا منها قبل العودة إلى مصر .

الصديق الآخر كانت إجابته مختلفة عندما سألته نفس السؤال :

” الشوارع مليانة تراب “

و عندما استفسرت عن مقصده .. اخبرني كيف فقد شارع البحر في طنطا أناقته و انطفأت أنواره الزاهية و امتلأ بالأتربة !

و على الرغم من أن الإجابات السابقة قد تبدو سطحية نوعا مقارنة بما يتناقش فيه المثقفون و الثوار .. إلا أنني اعتقد أنها تلخص باقتدار الحالة الشعورية للمواطنين البسطاء .. التراوح ما بين الحماسة و الإحباط !

الحماسة و الأمل في غد أفضل بعد أن تحطمت القيود النفسية للمصري البسيط و تحرر من العوامل التي كانت تجبره على العيش في دوامة الفقر و الذل و المرض إضافة إلى اليأس من تغير الحال !
و الإحباط لأنه لم يخرج بعد من هذه الدوامة .. تخلص من الجلاد لكنه لم يتجاوز أسوار زنزانة بعمق ثلاثين عام !

نعم تغيرت أشياء في الناس .. و نعم ظلت أشياء عالقة .. و لأن هذه الشوائب كثيفة للغاية .. لا يكاد يخترقها النور و تبدو الصورة  ضبابية في نظر المعايشين لهذه التغيرات .. و لكن نظرة من الخارج تستطيع أن تفصل ببساطة بين الانجازات التي تحققت و المشاكل التي تحتاج مزيدا من الجهد كي نتغلب عليها ..

و لهذا خطر لي أن أتذكر بعض من أحلامي قبل و بعد الثورة .. و أقارنه بين الواقع الذي يحدث ألان .. ربما يساعدني هذا على الرؤية بشكل أوضح .

قبل الثورة :

 كنت أتمنى أن يجرؤ الناس على المطالبة بحقوقهم .. ليس بشكل جماهيري و لكن بشكل فردي عندما يواجهون الظلم أو التعسف  .. كنت أحلم أن يموت رئيس الجمهورية و يتسلم الحكم شخص غير ابنه .. شخص لديه قدر من الضمير فقط ليعطل عملية مص دماء الشعب من رجال الأعمال .. كنت احلم بحكومة تعمل حقا على مصالح الشعب و ليس مصالحها الشخصية .. بمستشفيات تعالج الناس أكثر من قتلهم .. بمدارس تعلم الأطفال أكثر من إفسادهم .. بموظف ينفع الناس أكثر من استغلالهم !

كنت أحلم بضابط شرطة لم يدخل الكلية عن طريق الواسطة أو الرشوة .. و يحترم المواطن و يطبق القانون .. و بوكيل نيابة  لم يدخل سلك القضاء بنفس الطريقة .. فيؤمن بالعدل  والمساواة والحرية و يحكم بهم .. كنت أحلم بيوم نمارس فيه انتخابات نزيهة .. يشترك بها الشعب كله و يحافظ على نزاهتها قبل المسئولين  .. كنت أحلم  بتصريح رسمي عنيف يرفض تجاوزا إسرائيليا .. و تهديدا .. و طردا للسفير !

و عندما قامت الثورة :

 حلمت بنزول الجيش إلى الشارع في صف الشعب .. حلمت برحيل مبارك في خطابه الأول .. حلمت بالجيش لا يتدخل في الإعلام و لا الحركة السياسية .. و يحافظ على البلاد فقط حتى تتم الانتخابات .. حلمت بحكومة شرف تعمل على تحسين الأوضاع و ضمان الاستقرار حتى تنتهي مهمتها عن قريب .. حلمت بمحاكمة العصابة الإجرامية التي انتهكت البلاد سياسيا و اقتصاديا .. حلمت بتعاون جميع القوي السياسية المخلصة و التخلص من كل رموز النظام السابقة في الحكومة أو في المعارضة ..حلمت بشوارع آمنة و بلطجية  مطاردين من الشرطة  .

 حلمت بالجميع يعمل و يجتهد مدركا أن هذا هو السبيل الوحيد للتقدم .. حلمت بالأحزاب و التيارات تتعاون معا .. و تحترم نتائج الاستفتاء .. حلمت بكل من له مطالب أن ينتظر انتهاء المرحلة الانتقالية .. و يحافظ على الاستقرار و العمل و ينبذ التعصب و المطالبات الفئوية حتى تنتهي العاصفة .. حلمت بمصر تنهض من بين الرماد قوية متجانسة محددة الأهداف !

ماذا عن الواقع :

ثار المصريون فعلا .. واجهوا القنابل و الرصاص  .. باتوا في الشوارع و الميادين .. رفعوا العلم لأول مرة في مناسبة غير كروية .. عاد الإحساس بالكرامة .. عاد الإحساس بحلاوة الانتماء .. سقط الرئيس و رموز الفساد .. اندهش العالم .. و صفق للشعب الذي ظنه الجميع في عداد الأموات !

لكن بدلا من العمل الجاد و الاجتهاد .. تعالت المطالب الفئوية .. و كثرت الاعتصامات و الإضرابات .. وكأن الثورة نجحت و انتهت و علينا قطف الثمار .. كل من له طلب لم يعد يرى ظروف البلاد أو الاقتصاد أو الأحوال الأمنية .. فقط يريد أن يشعر بمكسبه الشخصي من الثورة !

المجلس العسكري أثار سخط الثوار بالبطء و العمل تحت ضغط المليونيات و التعامل العنيف مع الشباب باعتبارهم بلطجية و ليسوا مواطنين أحرار .. و إصدار قوانين استثنائية غير مقبولة  .. ربما يواجه المجلس فعلا ضغوطا عربية و دولية لا يمكن التصريح بها .. لذلك يماطل في محاكمة الرئيس .. لكن هناك اتجاهات كثيرة يمكنها تعويض ذلك التقاعس .. الملف الأمني و الملف الطائفي و الملف السياسي .. يمكنها أن تصبر المصريين حتى ينتهي دور الجيش و يسلم البلاد !

الأقباط يمارسون ضغوطا و استعراضا للقوة .. و يعلن القس أمام الكاميرات أن هذه مشاكل عمرها أربعة عشر قرنا من الزمان .. ثم يعود و يقول أنها مطالب الشعب المصري .. و كأن كلامه و تصريحاته لا تنضح بالعنصرية و التعصب المتأصل في نفسيته من ” الإسلام ” كدين و ليس ملف الأقباط المعاصر ! و على الرغم من ذلك يتعامل المجلس العسكري معهم بطريقة مختلفة و يحاول أن يتخطى الأزمة الوقتية حتى يستطيع تسليم البلاد .. مما يعزز شعور القوة لدى الأقباط و يجعل الضغط ورقتهم المفضلة في رفع مطالبهم الطائفية المتجاوزة أصلا للقانون في أحيان كثيرة !

بالطبع استعراض القوة من الأقباط أو أي قوى أخرى يعد بمثابة عامل محفز لخروج التيارات و القوى الإسلامية و استعراض قوتها و تأثيرها الشعبي بغض النظر عن دقة أو صحة ما يثار من قضايا !

الأحزاب السياسية و الناشطون الذين قالوا لا في الاستفتاء على الدستور و عندما خرجت النتيجة بنعم تعالوا على الشعب و طعنوا في النتيجة على أساس أن الناس تم خداعهم .. و لم يتعلموا الدرس و ينزل والى الشارع بل ظل معظمهم يمارس السياسة من منازلهم .. و الآن يطالبون بالدستور أولا .. و كأن الاستفتاء لم يكن .. و كأن الشعب يحتاج إلى من يحافظ له على حقوقه رغما عن إرادته !
الحجج واهية .. فالأغلبية لن تنفرد أبدا بوضع الدستور بعد الانتخابات و الدستور أولا يعني أن تطول فترة المجلس العسكري و ليس العكس .. و فكرة أن الاستفتاء لم يكن على كل المواد تعني أن يعترض من قالوا نعم و ليس من قالوا لا – و أنا منهم بالمناسبة !

الداعون إلى ثورة غضب ثانية .. ترى ماذا سيكون رد فعل رجل الشارع العادي .. ماذا سيكون رد فعل أهالي المناطق العشوائية الذين ذاقوا نيران و جحيم الثورة و قدموا المصابين و الجرحى و لم يتذوقوا بعد قطرة من عسلها ؟

هل تتوقعون خروجهم معكم ؟ لا أظن !

رجل الشارع ربما يكون حائر بين الحماسة و الإحباط بالفعل .. و ليس المجلس العسكري هو النظام الجديد الذي نحتاج إلى إسقاطه .. الجميع مشارك في الوضع الحالي .. الشرطة المتخاذلة .. المضربون عن العمل .. أصحاب المطالب الفئوية .. المتعصبون دينيا من المسلمين و الأقباط .. الأحزاب التي ترفض الاعتراف بالواقع و تصر على فرض رؤيتها بدلا من الخضوع للديمقراطية الحقيقية .. كتاب الصحف و مقدمو البرامج التي تهتم بالسبق أو الربح  دون اهتمام بالمصداقية .. عمال النظافة و الكهرباء و المسئولين الذين لا يهتمون بأناقة شارع البحر !

محمد حسن

24 – 5 – 2011

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.