صلح الحديبية – مصر 2011

الخميس 26 مايو, 2011 عند 9:46 ص | أرسلت فى حقن عامة | تعليق واحد

إن المتأمل في صلح الحديبية .. يجد دروسا سياسية عظيمة .. و حكمة بالغة .. يجب أن نتدارسها و نتعلم منها و نحاول الاستفادة من ذلك في الصراع السياسي و الفكري الدائر حاليا .. و أنا لا أشبه الأحوال أو الظروف الحالية بصلح الحديبية .. لكنني أتحدث عن الدروس المستفادة

فالرسول عليه الصلاة و السلام .. قدم تنازلات حقيقية في شروط المعاهدة و نصوصها إلى الحد الذي أثار مشاعر المسلمين و زرع غصة في حلوقهم .. فلم يكونوا في موقف ضعف أو هزيمة يضطرهم إلى التنازل ..  حتى أن الرسول كرر عليهم ثلاث مرات الأمر بالقيام و التحلل من الإحرام لكنهم لم يفعلوا إلا عندما قام صلى الله عليه و سلم و فعل ذلك بنفسه فقاموا و تحللوا .

لقد كتب في المعاهدة باسمك اللهم .. و ليس بسم الله الرحمن الرحيم .. و ذلك لأن الكفار لا يعترفون بالرحمن .. و كتب محمد بن عبد الله بدلا من محمد رسول الله .. لنفس السبب .. و قد كان ” علي ” رضي الله عنه هو من يكتب و أمره الرسول بمسح كلمة ” رسول الله ” فلم يفعل حتى مسحها النبي صلى الله عليه و سلم بنفسه ..

شروط المعاهدة نفسها .. أن يرجع المسلمون في هذه السنة و لا يدخلون مكة .. و أن توقف الحرب لعشر سنين .. و أن تتاح الحرية للقبائل أن تنضم إلى قريش أو إلى المسلمين .. و الشرط الأكثر إجحافا هو أن من يرجع من المسلمين إلى قريش يقبلوه و من يسلم من قريش و يذهب للمسلمين يردوه إلى أهله .. حتى أن أبي جندل بن سهيل بن عمرو جاء إلى الرسول مسلما و مستنجدا بعد عن تم الاتفاق مع سهيل بن عمرو مبعوث قريش .. فرده رسول الله مع أبيه و قال له : ” يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم ” أو كما قال صلى الله عليه و سلم

و قد كان في ذلك بعد نظر و حكمة عظيمة .. فقد تم الاعتراف بقوة المسلمين و بوجودهم في شبه الجزيرة العربية .. و أتيحت الفرصة لدخول القبائل في الإسلام في ظل الهدوء و السلام بعد هذه المعاهدة و كان ذلك نصرا و فتحا عظيما للمسلمين على الرغم من الشروط المجحفة في المعاهدة .

الدروس المستفادة :

الدرس الأول و الأهم .. يجب أن تقدم تنازلات .. فمادمت لست طرفا منتصرا يملي شروطه على الطرف الضعيف .. يجب أن تكون هناك تنازلات و يجب أن يتم الاتفاق على أساس مشترك .. و أنا هنا لا اطلب من احد تغيير المبادئ أو الأفكار .. و لا اطلب من احد أن يتنازل عن حقه في التعبير عن رأيه و الدعوة إلى فكره .. أو حتى في انتقاد أفكار و آراء و اتجاهات الآخرين .. لكنني ادعوه إلى تقبل وجود الآخر و حقه في ممارسة نفس الشيء .. طالما الاتفاق المشترك سوف يسمح لهما معا بذلك ..

لا يخفى على احد أن الثورة تواجه منعطفا خطيرا للغاية .. و أحلامنا جميعا مهددة ما لم نتيقظ و ننتبه لما يحاك في الظلام من كل أعداء العدل و الحرية الذين استفادوا من النظام السابق و يضرهم حتما أن تنجح الثورة .

المشكلة هي أن نستطيع التفرقة بين الأفكار و الآراء و الاتجاهات الشخصية .. و بين ما نستطيع أن نتوصل إليه من ” ممارسات و تطبيقات ” متناسبة مع الظروف و الواقع .. فالإسلامي أو السلفي الذي يرفض الليبرالية كمبدأ أو كتطبيقات سياسية .. لا ينبغي له أن يعرض عن أصحاب الفكر الليبرالي و يرفض التفاهم معهم حول الشكل السياسي الذي يسمح لمصر أن تخرج من الأزمة الحالية و يتقدم بنا خطوة نحو الأمام .. فما لا يدرك كله لا يترك جله .. و عليه أن يقدم تنازلا حقيقيا يتعارض مع فكره من اجل أن يحقق مكسبا حقيقيا في المستقبل يسمح له بحرية نشر فكره ..

كذلك الليبرالي أو العلماني عليه احترام حق السلفي و الإسلامي في التعبير عن أفكاره و في مهاجمة المبادئ التي لا تتفق مع فكره .. دون أن يحقر من شأنه أو يتهمه باستغلال الدين أو سوء الفهم و ما إلى ذلك .. بل يجب عليه أن يركز على الأهداف المشتركة و يقدم تنازلات حقيقية هو الآخر تتعارض مع مبادئه و أفكاره و تسمح بالتعايش المشترك مع أصحاب الأفكار المختلفة .. من اجل تحقيق مكاسب حقيقية في المستقبل تسمح له بحرية نشر فكره ..

بينما محاولات رفض الآخر و إقصائه و التأثير على الحياة السياسية في مصر بما يتفق مع أهداف تيار محدد .. كل ذلك لن يحقق إلا أهداف أعداء الثورة ..

لذلك فكل الأحزاب و الرموز السياسية و الاجتماعية و الإعلامية التي أخذت على عاتقها محاولة تشويه و رفض الوجود الديني سواء للسلف أو الإخوان في الخريطة السياسية هي في الواقع من ضمن الأخطار التي تهدد الثورة ..

و أيضا كل الرموز و الاتجاهات الدينية التي أخذت على عاتقها الرفض المطلق للأخر و عدم قبول فكرة العمل المشترك أو التنازل في بعض الأمور – مع الحفاظ على مبادئها و أفكارها معلنة و ثابتة – و ذلك في مقابل التواجد الحقيقي المعترف به في الحياة السياسية تعد من الأخطار التي تهدد الثورة ..

لا يجب علينا أن نتحد جميعا في تيار رئيسي مشترك .. لكن الأكثر منطقية هو أن نتحد جميعا في أهداف مشتركة .. و هذا هو سبب نجاح الثورة و سر روح ميدان التحرير ..  فقد أقصى الجميع قضايا الاختلاف و التعارض الفكري و اختلاف الدين و توحد على أهداف مشتركة ..

لذلك يجب علينا جميعا أن نتوحد خلف من يسعون إلى خلق ارض مشتركة و أن نتنازل عن بعض الأشياء لنستطيع أن نتعايش سويا في بيئة صحية تسمح لنا جميعا أن ندعو إلى أفكارنا و مبادئنا .. و في نفس الوقت نعطي بعضا الحق في انتقاد مبادئ و أفكار الآخر في إطار منفصل عن التطبيق و الواقع السياسي ..

لا ينبغي أن اعترف أو اقر بالديمقراطية ذات المرجعية الليبرالية أو فكرة الحرية الدينية .. فلدي في مبادئ الشريعة الإسلامية التي اقتنع بها ما يتعارض مع ذلك .. لكن ذلك لا يعني أنني لن أمارس دوري في هذه الديمقراطية و لن أحاول تجاوز القوانين أو الدعوة إلى قتل من يغير دينه من المسلمين .. لان هذه في المحصلة النهائية سوف يضر بالوطن و يضر بالمبادئ و الأفكار التي اعتنقها ..

على الجانب الآخر أيضا أن يقدم تنازلات فعلية و يسمح للطرف المعارض بالتواجد .. حتى لو كانت أفكاره تتعارض بشكل صريح مع ما يؤمن به فلن يعني ذلك الانهزام أو التأخر أو خطوة ضد الحرية و الديمقراطية  .. بل يعني الإقرار بالحرية و الديمقراطية المنشودة فعليا !

محمد حسن

Advertisements

تعليق واحد »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.