عن الليبرالية ج 6 – بديل سياسي

الخميس 19 مايو, 2011 عند 8:42 م | أرسلت فى حقن عامة, عن الليبرالية | أضف تعليق
الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

بعد أن تناولت بالنقد الليبرالية و تطبيقاتها في الأجزاء السابقة .. و جب علي أن أقدم فكرا بديلا أو نظاما ذا مرجعية مختلفة يحقق الأهداف و النتائج نفسها التي يتفق عليها الجميع .. فمن وجهة نظري الشخصية أن المرجعية الليبرالية رغم أنها قد أفادت الغرب في التخلص من السيطرة و النفوذ الديني الخاطئ للكنيسة و في إرساء قواعد و أساسيات للعدل و الحرية كان الغرب مفتقرا إليها وسط استبداد الإقطاعيين و الملوك.. إلا أن لدينا نحن ما هو أفضل لنستنبط و نستخرج منه نظما تناسب واقعنا و عصرنا الحالي .. و هو الإسلام .

من الناحية السياسية .. نحتاج إلى أن نفرق بين الدولة الإسلامية بالمفهوم العالمي المتمثل في نظام الخلافة و المبايعة الثابت و الذي تم تطبيقه في عهد الخلفاء الراشدين .. حتى أن ” عمر بن عبد العزيز ” رحمه الله – الملقب بخامس الخلفاء الراشدين – قد أصر على أن يأخذ البيعة من الناس على الرغم من انه لم يكن يحتاج إلى ذلك عندما آل إليه الحكم .

ينبغي أن نفرق بين هذا النظام العالمي – الغير معترف بالحدود أو العصبيات الجنسية – و بين ما نحتاجه الآن ليناسب التطبيق المعاصر في دولة مثل مصر .

ما أقترحه هو نظام سياسي ديمقراطي على أسس مرجعية إسلامية .. و ديمقراطية هنا لا تعني المفهوم الليبرالي المتمحور حول الفرد الذي قمت بانتقاده في الجزء الثالث من هذه المقالات .. و لكن ديمقراطية بمفهوم إسلامي تتضمن مساهمة جميع أفراد الشعب في نظام هرمي يضمن لكل فئة أن تشارك في حدود قدراتها الحقيقية و من واقع احتياجاتها الحقيقية .. بحيث لا يمكن استغلال صوت الفرد لصالح قوة ما .. و لا يمكن أن يسيء الفرد استغلال صوته فيضر المجتمع ..

كيف ذلك ؟

لدي تصور يعتمد على آية من كتاب الله الكريم .. يقول الله تعالى :

”  ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم

سورة النساء – الآية 83

هذا التصور يهدف إلى مشاركة جميع فئات و أفراد المجتمع في حدود قدراتهم و ما يمس حياتهم بشكل مباشر لتكون قراراتهم مبنية على وعي و معرفة كافيين ..

 فمثلا لدينا قرية صغيرة بها وحدة محلية كأصغر عنصر في بناء النظام .. هذه القرية لها احتياجات و متطلبات ترتبط مباشرة بحياة الفلاحين الذين يقطنوها .. يكون للفلاح المزارع البسيط رأي هام و حق و صوت في هذه القرية فيما يخص أرضه و زراعته و مرافقه الأساسية .. و يتم تكوين مجلس محلي من أبناء هذه القرية أنفسهم .. و يتم انتخاب رئيس أو ممثل لهذه الوحدة التي تعبر عن قرية مصرية صغيرة .. و يعبر هذا الشخص عن رغبات و احتياجات هذه القرية في المجلس الأكبر الذي يجمع القرى المحيطة مثلا ..

و يكون هناك مجلس أخر للمدينة .. من مندوبين القرى أو الأحياء التي تتكون منها هذه المدينة ليناقش مشاكل و متطلبات المدينة .. و يتم انتخاب شخص أو عدد من الأشخاص لتمثيل هذا المجلس على مستوى المحافظة .. ثم ننتقل درجة إلى الأعلى بمجلس يمثل جميع محافظات مصر .. كل فرد في هذا المجلس تم انتخابه من قبل أهل قريته أو مدينته أو محافظته .. فيعبر عنهم في هذا المجلس و يناقش القضايا التي تخصهم .. لدينا الآن المجلس الأول .

كذلك في النقابات الفرعية يتم انتخاب المجلس الذي يختار ممثلين ليكونوا مجلس آخر للنقابة العامة و الذي يختار ممثلين ليعبروا عن آراء و متطلبات أفراد نقابتهم المختلفة في مجلس أعلى .. لدينا إذن مجلس ثاني .

هناك أيضا مجموعة من العلماء و المفكرين و الأدباء و المستشارين و المتميزين في أي مجال من مجالات الحياة .. يمثلون مجلس العلماء أو الحكماء .. يكون هو المجلس الثالث .

و من الأمور البديهية أن الوزارات يتم اختيار القائمين عليها على حسب التخصص و الكفاءة و ليس الولاء .. أو كما يقال حكومة تكنوقراطية .. و يكون مجلس الوزراء هو المجلس الرابع .

و أخيرا .. مجلس من علماء الدين .. للوقوف على المرجعية الإسلامية و اتفاقها أو اختلافها مع ما يسن من قوانين ..  و سوف أتناوله بعد قليل عند مناقشة المرجعية ..

الآن يمكننا بعد تكوين المجالس أن نمارس الديمقراطية بشكل هرمي متخصص ..

للفلاحين الحق في التصويت و الاختيار فيما يخص أعمالهم و أرزاقهم و قضاياهم المحلية .. كذلك للمهندسين الحق في مناقشة القوانين التي تخص مهنتهم و يمارسون الديمقراطية في حدود تخصصهم .. كذلك رجال القانون .. و جميع فئات المجتمع ..

ماذا عن القضايا التي تخص محافظة كاملة ؟ لدينا بالفعل مندوبين تم اختيارهم من قبل أهالي المحافظة ليعبروا عن متطلباتهم .. يمارسون الديمقراطية و يأخذون برأي الأغلبية فيما يخص محافظتهم ..

ماذا عن القضايا التي تخص الدولة ككل .. لدينا بالفعل خمسة مجالس قوية .. يعبر كل فرد منها عن شريحة من المجتمع أو يحمل من العلم و المعرفة ما يجعل لرأيه أهمية و ثقل كبير .. تتناقش هذه المجالس و تتعاون معا و يتم الأخذ بالرأي صاحب الأغلبية من أفراد هذه المجالس .

هكذا تحقق الديمقراطية أهدافها فعليا و تتجنب مخاطر الأصوات الفردية الغير مؤهلة و التي قد تختار على أسس خاطئة .

يشبه الأمر أن تطلب من نجار مسلح أن يختار رئيسا لوكالة ناسا .. المثال متطرف لكنه يوضح الفكرة العامة .. لا يمكنك أن تساوي رأي مزارع بسيط برأي أستاذ في القانون الدولي صاحب خبرة سياسية طويلة فيما يتعلق بالدستور مثلا .. كلاهما يتمتعان بحقوق متساوية .. لكن إمكانياتهم و قدراتهم مختلفة .. لذلك يجب أن يكون لأرائهم قوة مختلفة ..

يمكن أن نشبه الدولة بفريق كرة القدم .. كل لاعب له إمكانيات مختلفة لذلك فكل لاعب له مكان و دور محدد في الملعب .. قد يكون المهاجم أكثر شهرة أو أكثر تأثيرا في المباراة لكن هذا لا يمنع أن المدافع أو حارس المرمى أو المدير الفني أو طبيب الفريق لهم ادوار لا تقل أهمية .. و لكن كل واحد في مكانه يحقق الأداء الأفضل للفريق .

هذا هو مفهومي عن الديمقراطية الحقيقية .. أن يكون لكل فرد في المجتمع حق و صوت هام في حدود قدراته و معارفه و ظروفه .. فاختيار رئيس وحدة محلية في قرية صغيرة يمكن أن يترك للفلاحين في هذه القرية .. أما الأمور التي تمس البلد كلها و التي تحتاج لمعارف و قدرات فكرية اكبر يؤخذ فيها برأي من ينتخبه هؤلاء من للتعبير عنهم أو رأي من له معرفة علمية كافية بهذه المسألة ..

بهذه الطريقة لا يتم استغلال عاطفة الناس أو جهلهم عن طريق الإعلام أو الدعاية الدينية أو أي وسيلة أخرى للتأثير عليهم و حشد أصواتهم لتحقيق رغبات قوى اقتصادية أو سياسية أو دينية .. و في نفس الوقت يستخدم كل فرد حقه في التأثير المباشر على ما يتعلق بحياته و معيشته من خلال ممارساته الديمقراطية في نطاق دائرته .

من المخاوف التي قد نواجهها مسالة ظلم الأقلية .. أن تكون هناك قرية بها عائلة تشكل أكثر من نصف السكان مثلا .. فيجب أن يكون هناك ممثلين في مجلس هذه القرية لبقية العائلات و يحرص هؤلاء على أن لا تسيء الأغلبية استخدام عددها فيما يضر أو يميز بين جميع أفراد الفرية من حيث حقوقهم و مصالحهم  .

كذلك الأقلية المسيحية في مصر .. يجب أن يكون لها ممثلين لضمان حقوقهم و مناقشة قضاياهم .. إضافة إلى عدم التمييز في النقابات و الوزارات و المجالس المختلفة .. بحيث يكون الاختيار مبني فقط على الكفاءة .

و انتهز الفرصة لأشير إلى أن المرجعية الإسلامية لا تهدد المسحيين في مصر .. بالعكس .. إنها تعطيهم حقوق و حريات اكبر من الموجودة حاليا و تحافظ عليهم و على مقدساتهم و على شعائرهم و حقهم في تطبيق شريعتهم .. فالإسلام يعطي قدرا من الحرية و العدل في تعامله مع غير المسلمين أكثر من أي نظام موجود في العالم يتعامل مع أقليات أو ديانات مختلفة ..

كما أن نظام كهذا سوف يسمح لهم بالمشاركة الفعالة في كل ما يخص البلاد على حسب تخصصاتهم و معارفهم ..

و يتم سن القوانين و القواعد في هذا النظام طبقا للشريعة الإسلامية العظيمة .. و لكي يتم تحقيق مرجعية إسلامية وسطية غير متحيزة في ظل الاختلاف و التباين الموجود حاليا .. يجب أن يكون مجلس علماء الدين – الذي تمت الإشارة إليه سابقا – مكونا من جميع الاتجاهات الفكرية الإسلامية المختلفة  و يمارس هذا المجلس أيضا الديمقراطية و التقيد برأي الأغلبية بعد أن يتناقش الأعضاء بالحجج و الأدلة  ..

و يتم انتخاب رئيس لهذا المجلس من بين أعضائه و يتغير بصورة دورية .. و يبت هذا المجلس في جميع القضايا التي تتعلق بالفرد أو المجتمع أو الدولة بناء على المرجعية الإسلامية .. من حيث الاتفاق أو الاختلاف فقط .. بينما تتولى المجالس المختلفة أو الهيئات المتخصصة البت في هذه القضايا من النواحي العلمية و التطبيقية ..بالتالي لا يكون لهذا المجلس أي سلطة تنفيذية أو سيادية .. بل هو لجنة علمية متخصصة مثل أي لجنة في البلاد تبت برأيها في أي مسالة متعلقة بتخصصها .. و بهذا لا يكون هناك سلطة أو نفوذ ديني .. بل نظام تكنوقراطي ديمقراطي إسلامي المرجعية ..

 

هذا مجرد اجتهاد شخصي لوضع نموذج أظنه قابل للتحقيق و يحقق ما نؤمن به جميعا من مبادئ أساسية .. و هو لا يعني انه النموذج الوحيد أو المنظور الإسلامي الاحتكاري للدولة مثلا .. فالإسلام كمرجعية لا يفرض أشكالا محددة لكل كبيرة و صغيرة .. بل هو يضع الخطوط العريضة التي يمكن بناء عشرات النماذج المعتمدة على قواعدها الأساسية بما يتناسب مع ظروف و مصلحة كل بلد ..

هكذا تنتهي رؤيتي بخصوص الليبرالية و مشتقاتها و علاقتها بالإسلام .. أتمنى أن يصححني من يجد أخطاء في المعلومات أو في الفهم و التحليل .

 

محمد حسن

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.