عن الليبرالية ج 4 – علاقتها بالإسلام

الخميس 19 مايو, 2011 عند 8:20 م | أرسلت فى حقن عامة, عن الليبرالية | أضف تعليق
الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

كلمة الليبرالية من أكثر المصطلحات تكرارا هذه الأيام إضافة إلى اشتقاقاتها مثل الليبرالية السياسية و الليبرالية الاقتصادية و الليبرالية الإسلامية .. و فكرة أن الإسلام ليبرالي أصبحت متداولة كثيرا في مناقشات و أراء عدد كبير من المثقفين و السياسيين .. فما هي الحجة المنطقية التي بني عليها هذا الادعاء ؟

أصحاب هذا الاتجاه يعتمدون على أن الليبرالية تهدف إلى المساواة و العدالة الاجتماعية و حرية الاعتقاد و حرية التعبير عن الأفكار .. مستخدمين كثيرا من الأمثال التي لها تأثير ايجابي لأنها تمس قضايا حساسة مثل الظلم أو الفقر أو الفتنة الطائفية .. و بما أن الإسلام يحث أيضا على نفس هذه المبادئ .. إذن فالإسلام ليبرالي !

الواقع أن انتصار الحلفاء الحلفاء في الحرب العالمية فتح الباب لليبرالية كي تنتشر في أوروبا و العالم .. و انهيار الاتحاد السوفيتي ” لعوامل خارجية و داخلية و ليس لمجرد انه اشتراكي ” كان إعلان انتصار آخر للرأسمالية و مفتاح لانتشار أفكارها في العالم  على حساب الفاشية و الشيوعية .. و إلى جوارها ظهرت كثير من المرجعيات .. أهمها الليبرالية الاشتراكية التي يتبناها الكثير من السياسيين و المثقفين و هي تختلف عن الحلم الشيوعي الرومانسي مستحيل التحقيق ..

الملاحظ أن كل هذه الأنظمة في أساسها تحاول تبني فكرة سامية .. الفاشية ذاتها تعتمد على مبدأ التضحية بأهداف الفرد من اجل المجموع .. لكن تطبيقاتها الديكتاتورية  و انهزام الرايخ  في الحرب قضى على فرصتها في الانتشار .. الشيوعية حيث المساواة التامة بين الجميع دون وجود سلطة عليا .. تكاد تكون منتهى الحلم الإنساني .. لكن المشكلة أن تطبيقها في حد ذاته مستحيل دون قيود تحكم الطبيعة الإنسانية .. و وجود قيود يعني وجود سلطة و فساد في النهاية !

فهل وجود أفكار تتفق مع الإسلام في هذه المرجعيات يعد مبررا كافا كي نصف الإسلام أنه شيوعيا أو علمانيا ؟

و كيف يمكننا تجاهل التعارض الصارخ بين الأساس الفكري الذي بنيت عليه المرجعية الليبرالية و بين الإسلام .. و الذي يعني انه حتى لو اتفقت بعض التطبيقات و الأفكار الليبرالية مع الإسلام فهناك حتما ما يتعارض معه .

يلقب الفيلسوف الانجليزي جون لوك بـ ” أبو الليبرالية ” و في تصوراته الأولى للفكرة الليبرالية منذ أكثر من ثلاثة قرون يضع الشعب كمصدر للسلطات التي تضطلع بها الحكومات و ليس أي قوى غير طبيعية ” الأوامر الإلهية مثلا ”  .. و استمرت الرحلة الفكرية الليبرالية في البناء على هذا المبدأ .. لذلك فالأفراد يتمتعون بحرية و مساواة و حق في الاختيار دون تدخل من أي سلطة سواء حكومية أو دينية .

و بناء على ذلك يشير البعض إلى أن تطبيق النظام الديمقراطي الليبرالي سوف يتيح للشعب الاختيار ليس للرئيس فقط و لكن للنظام و المرجعية و الدستور .. و إذا اختار الشعب الإسلام يمكن أن نطبقه بناء على رغبة الأغلبية من الشعب .. و هنا نجد أنفسنا أمام مجموعة من المشاكل .

أولا .. الإسلام ليس مجموعة من العبادات إذا تمت تأديتها يتم استيفاء شروط الإسلام .. أن تدين بالإسلام معناه أن تقر بعبوديتك لله .. على أساس انه الخالق الواحد الأحد الذي بيده ملكوت كل شيء .. لذلك فأنت لست حرا بشكل مطلق .. أو حر ما لم تضر كما يقال .. بل إن هناك قيودا جادة يجب عليك التقيد بها سواء اقتنعت عقليا أم لا و سواء وافقت هواك و مصلحتك الشخصية أم لا .. أي انك تقر بوجود قوى غير طبيعية متجاوزة للعقل و المنطق و القانون الإنساني .. و أنت ملتزم بطاعة أوامر هذه القوى و تتمتع بحرية نسبية في حدود القيود التي تفرضها عليك هذه القوى ..

ثانيا .. إذا آمنت بالله .. لا يمكنك أن تخضع ما هو من عند الله لما هو من عند البشر .. لا يمكنك أن تكيف الدين على أساس اتفاقه و اختلافه مع مرجعيات بشرية .. الإسلام جاء قبل كل هذه المرجعيات من عند الله العليم الحكيم و من المفترض أن يتم إخضاع المرجعيات الليبرالية للمعايير الإسلامية و ليس العكس .. بحيث إذا كان هناك ما يضيف جديدا لمصلحة الناس و لا يتعارض مع الدين يتم الاستفادة منه و غير ذلك يتم رفضه ..

ثالثا .. الشريعة الإسلامية ليست اختيار بالنسبة للمسلمين .. لا يمكنك استفتاء الناس على تطبيق الشريعة .. و لا يمكنك أن تجعل حدود الله مسألة رغبة شخصية للأفراد .. هل تريد تطبيق حد السرقة أم لا ! .. هذا غير منطقي و غير مقبول من وجهة النظر الإسلامية .. و حتى بالمنطق المجرد من الايدولوجيا .. الإنسان لا يحب العقاب و لا يحب القيود و يميل إلى التحرر من القوى المسيطرة عليه .. لذلك تحتاج إلى أن تؤمن بشيء ما لتتنازل عن حريتك .. و في حالة الإسلام .. الشريعة و الحدود من الأمور التي فرضت عليك و ليس لك الحق في اختيارها ..

رابعا .. مبدأ الحرية الليبرالية يتيح للدولة التدخل في نطاق الحفاظ على حقوق الأفراد في  هذه الحرية فقط .. بينما الحرية في الإسلام مرتبطة بأحكامه و شريعته و حدوده .. لا يمكنك أن تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر في ظل الفكر الليبرالي دون أن تواجه تهمة التدخل في شؤون الآخرين بغير حق .. لا يمكنك أن تغير منكرا بيديك أو بلسانك .. لا يمكنك أن تحجر على حرية الآخرين في مخالفة شرع الله .. لا يمكنك أن تعترض على نشاط اقتصادي يغضب الله طالما هذا النشاط يعود على الدولة بربح مادي .. لا يمكنك أن تعترض على الحرية الجنسية أو المتاجرة بالجنس أو الاعتراف بالشذوذ .. طالما أنها لا تضرك بشكل مادي مباشر .. لا يمكنك الاعتراض على الربا أو الاحتكار طالما لا يتم عبر مخالفات قانونية .. و غير ذلك من الأمثلة التي توضح مقدار الاختلاف بين مرجعية ليبرالية و مرجعية إسلامية في أمور أساسية و هامة  ..

و على الرغم من ذلك تجد من يقول أن الإسلام ليبرالي أو أننا نحتاج إلى الليبرالية من أجل تحقيق المساواة و العدل و الحرية .. و كأنك تقف في وضح النهار و تحت ضوء الشمس المبهر و تبحث عن مصباح كهربائي بغرض الإضاءة ..

إن الإسلام عظيم مكتمل بشكل رائع و في غنى تام عن أي مرجعية بشرية .. و هو أسلوب حياة كامل للمسلم ليس مجرد شعائر .. و في تعاليم الإسلام و أحكام و حدود الشريعة تكمن جميع القيم الرفيعة من عدل و مساواة و حرية في حدود ما يرضي الله عز و جل .. و لا يوجد شيء اسمه إسلام ليبرالي و إسلام ديمقراطي و إسلام علماني .. إذا كنت مسلما  فالدين بالنسبة لك واحد و محدد و لا يحتاج إلى زوائد أو إضافات .. يقول الله تعالى :

” اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا “

سورة المائدة – الآية رقم ( 3 )

كذلك لا يمكن صباغة مرجعية أخرى بالإسلام دون هدم ما يتعارض في هذه المرجعية مع الإسلام و في حالة الليبرالية الإسلامية أراها كائنا مشوها لأن هدم ما يتعارض مع الإسلام في الليبرالية يتطلب هدم أساسها الفكري الذي يدور حول الحرية الفردية بالتالي لا تصبح ليبرالية !

و لكن هذا لا يعني أن الإسلام جامد لا يواكب تغيرات العصر و اختلاف الظروف .. فهناك أحكام ثابتة و حدود شرعية لا تتغير .. و في نفس الوقت هناك اجتهادات العلماء في كل عصر للتعامل مع متغيرات الزمان و مستجدات الحياة بما يتفق مع قواعد و أساسيات الدين ..  و يمكن للإسلام أن يستفيد من التجارب البشرية في كل النواحي الحياتية العلمية و الاجتماعية و السياسية بما فيها تجارب الليبرالية و لكن في التطبيقات العملية و التجارب الواقعية و ليس المرجعية الفكرية طالما هذه المرجعية تختلف مع أحكام و قواعد الإسلام .

 

كان هذا تناولا لفكرة ” ليبرالية الإسلام ” فقط .. بالتالي هو يناقش القضية من وجهة نظر أحادية ” إسلامية المنطلق ” و لا علاقة له بالتطبيق السياسي أو الواقعي للمرجعية الإسلامية في مصر حاليا .. كما أنه ليس له علاقة بسوء التطبيق أو الأخطاء البشرية عبر التاريخ  .. في الجزء القادم أتناول الاقتصاد الإسلامي .. و في الجزء الأخير أعرض النظام السياسي المقترح الذي يناسب – من وجهة نظر اجتهادية شخصية – الظروف الحالية بحيث يحقق ثمار الديمقراطية و الحرية و المساواة تحت مظلة مرجعية إسلامية .

محمد حسن

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.