عن الليبرالية ج 3 – تطبيق سياسي

الخميس 19 مايو, 2011 عند 8:12 م | أرسلت فى حقن عامة, عن الليبرالية | أضف تعليق
الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

كلمة الليبرالية من أكثر المصطلحات تكرارا هذه الأيام إضافة إلى اشتقاقاتها مثل الليبرالية السياسية و الليبرالية الاقتصادية و الليبرالية الإسلامية .. و بعد أن تناول الجزء الأول نشأة الليبرالية و أساسها الفكري كمرجعية .. بقي أن نعلم هل نجحت تطبيقات الفكر الليبرالي في الواقع أم لا !

الديمقراطية أصبحت جزءا لا يتجزأ من النظام الليبرالي السياسي .. و لكن الممارسات الديمقراطية في حد ذاتها تعود إلى عصور أقدم بكثير من التي ظهرت فيها الليبرالية .. فأصل الكلمة مشتق من اللغة اليونانية على مقطعين بمعنى قوة الناس .. أي سلطة الشعب أو حكم الشعب .. و قد ظهرت بهذا المفهوم في اليونان القديمة .. لكنها كانت موجودة كممارسة بدائية في الحضارات الفينيقية و الهندية القديمة .. ثم ساهمت الدولة الرومانية في تطويرها .. و في عصور التنوير الأوروبية و مع قيام الثورات الأمريكية و الفرنسية و تأثر بالفكر الليبرالي أخذت الديمقراطية شكلها الحالي ..

ينظر إلى الديمقراطية على أنها الشكل النهائي و الأمثل للحكومة .. و بمرجعية ليبرالية يكون للشعب السيادة و الحق في تقرير المصير .. و يكون لكل فرد في المجتمع صوت متساوي مع بقية الأفراد .. و يتم تنفيذ رغبة الأغلبية من الشعب  بشكل مباشر أو عن طريق ممثليهم من خلال إجراء الانتخابات النزيهة .. بالتالي يكون الحكم و تقرير المصير في يد الشعب على هيئة حق كل فرد في التصويت بشكل متساوي .. طبقا للنظرية !

فرنسا و انجلترا و ايرلندا و ألمانيا و الولايات المتحدة .. أنظمة ليبرالية المرجعية و تعتمد تطبيقاتها لكن تركيب النظام في كل بلد يختلف .. بين المركزية و التمثيل الحزبي المزدوج أو المتعدد أو النسبي .. و حتى الحفاظ على الملكية إلى جوار البرلمان .. كل بلد حسب متطلباتها و مراحل تطورها السياسية أقامت نظاما و راعت فيه مرجعيتها و مارست تطبيقات تتفق مع هذه المرجعية ..

 لذلك فهناك فرق بين النظام و المرجعية و التطبيق .. و كما أن النظم قد تختلف بينما مرجعيتها ثابتة .. لا يعني استخدام النظام البرلماني أو تطبيق الديمقراطية أن ذلك يتم وفقا لمرجعية ليبرالية بالضرورة .

و السؤال ألان هل نجحت هذه الأنظمة في تحقيق أهدافها ؟

كيف يمكن معايرة النجاح أساسا .. على أساس رضا الشعوب عن الحكومات أم على أساس تحقق النظرية بشكل واقعي .. الحقيقة هي أن النظم الديمقراطية الحالية و التي قامت على أسس ليبرالية تفترض أن للناس الحق في تغيير واقعهم و تحسين أوضاعهم من خلال مشاركة فعلية في اتخاذ القرار .. هذه النظم ” نظريا ” تمنح الناس ” القدرة ” على التغيير لكنها تفشل ” عمليا ” .. فالاستبداد و التحكم الذي كان يمارس سابقا من الصفوة و الإقطاعيين أصبح تلاعبا سياسيا يمارس من قبل أقطاب الاقتصاد و السياسة على مستوى العالم .. فلم يعد خافيا أن مجموعة من القوى المحددة هي التي تملك القرار و تمارس ديمقراطية الأقلية  مستخدمة نفوذها الاقتصادي و الذي يسخر لها قوة الإعلام الجبارة لتحقيق مصالح شخصية .. و أصبح ذلك ممكنا نظرا لتساوي قوة الأصوات التي يحملها أفراد المجتمع بالتالي يمكن حشد هذه الأصوات في أعداد كبيرة لتحقيق أهداف قريبة أو بعيدة المدى لكنها بعيدة كل البعد عن المصالح الشخصية لكل فرد !

و لكن كيف يمكن ذلك ؟ كيف تتحول المساواة و الحرية إلى تحكم أقلية و تحقيق مصالح شخصية ؟

هناك مثالين لإيضاح هذه المسألة .. أولا .. الاستفتاء الشعبي على التعديلات الدستورية الذي مارس فيه الشعب المصري أول مشاركة ديمقراطية نزيهة في العصر الحديث .. فقد انقسم الناس إلى فئتين .. الأولى هي فئة تضم اغلب المثقفين و أصحاب النشاط السياسي و الإعلاميين و الفنانين .. قالت ” لا ” و الثانية تضم بعض من النخبة السابقة مع عموم الناس إضافة إلى التيارات الدينية الإسلامية .. و قالت ” نعم ” .. و عندما أعلنت النتيجة .. اشتعلت أزمة جديدة مؤسفة .. فأنصار الاختيار ” لا ” اتهم بعضهم جموع الشعب بانعدام و الوعي و الانقياد و البرمجة على كلمة ” نعم ” .. بينما اتهم البعض الآخر التيارات الدينية بالتلاعب بعواطف الناس و استغلال الدين للتأثير عليهم !

المشكلة هنا أن رفض استخدام الدعاية الدينية أو الحجر على أفكار تيار معين و منعه من التعبير عن رأيه و المناداة به و الدفاع عنه .. يتعارض بشكل كبير مع مبادئ الليبرالية و الديمقراطية و حرية التعبير .. لا يمكنك أن تدعي انك ليبرالي بينما تكمم فم فئة من المجتمع كي تحمي جموع الشعب الغير واعية  من التأثر بأفكارهم ..

مهلا .. هل جموع الشعب قابلة للتلاعب بالعواطف ؟ هل الفرد الحر الذي يتمتع بحقوق متساوية مع بقية أفراد المجتمع قد يخضع لعوامل تؤثر على قراره بناء على عاطفة أو انعدام و عي أو جهل أو خطا في التفكير ؟ .. مبروك .. هذا يهدم فكرة الديمقراطية الليبرالية .. ما لم تتغلب على هذه العقبة عن طريق تحييد عواطف الناس ( مستحيل ) و رفع المستوى للمعرفي للجميع بحيث يكون كل فرد قادرا على اتخاذ قرار سليم في أي قضية سياسية أو اقتصادية أو غيرها تعرض عليه ( مستحيل أيضا أن تصل بالناس جميعا إلى هذه الدرجة الشاملة من المعرفة ) .

المثال الثاني للتأثير الإعلامي .. و هو موقف المواطن الغربي من القضية الإسرائيلية .. فعلى الرغم من زيادة الوضوح في السنين الأخيرة لحجم التجاوزات الإسرائيلية إلا أن المواطن العادي قد ترسخ لديه منذ فترة طويلة فكرة أن إسرائيل هي واحة الحرية و الديمقراطية التي تناضل للبقاء وسط العرب المتوحشين ! .. و لن تجد الكثير من الناس في الغرب يعلمون حقيقة و تطور القضية .. بل يظنون أن إسرائيل هناك منذ بدء التاريخ و يقتنعون بحقها الكامل في الوجود !

إذن فالفرد العادي في المجتمع لديه صوت ثمين يمكن كسبه عن طريق استغلال عاطفته أو جهله و عن طريق التأثير الإعلامي القوي يمكن أن يتم حشد هذه الأصوات لتكون قوة محركة و منفذة لرغبات نخبة قليلة من القوى الاقتصادية أو السياسية ..

لذلك تعد الديمقراطية الليبرالية ناجحة نظريا بينما عمليا يتحكم في أقدار الشعوب هذه النخبة من القوى .. و تبدوا الصورة جميلة و الشعوب راضية نتيجة للتضليل الإعلامي إضافة إلى أن نجاح الدولة لا يعتمد أساسا على النظام سواء فاشي أو ليبرالي أو غيرها .. نجاح النظام يعتمد على مقدار ما يحققه من متطلبات الشعب و مقدار ما يشعر به الفرد من رفاهية متضمنة مظاهر الحرية المختلفة .. و يمكن لنظام ملكي غير دستوري أن ينجح و يصنع حضارة عظيمة طالما يجيد إدارة البلاد و تحقيق العدل و الرفاهية للشعب .. و الأمثلة التاريخية كثيرة و متنوعة عن حضارات ازدهرت في ظروف مختلفة و أنظمة سياسية متنوعة .

كذلك إن إعطاء الفرد العشوائي في المجتمع الحق في الاختيار الذي لا يتعلق بشخصه فقط .. لكنه يتعلق بالمجتمع ككل .. دون ضمان مستوى الذكاء و الوعي و الحيادية الذي يتمتع به .. و دون حمايته من المؤثرات العاطفية .. ودون إعطائه المعرفة المتخصصة الكافية ليكون رأيا منطقيا مبني على تفكير علمي سليم .. يعد تعديا على حق المجتمع ككل .. لأن الاستخدام الخاطئ لهذا الحق يضر بالمجتمع ككل و ليس بالفرد فقط .

كل ذلك لا يعني أن مبادئ الديمقراطية الأساسية غير قابلة للتحقيق .. فحكم الشعب و حق تقرير المصير و مشاركة كل فرد في المجتمع في اتخاذ القرار أمر مفروغ منه .. لكنه لا يتحقق بالضرورة من خلال المرجعية الليبرالية أو الأنظمة الديمقراطية الليبرالية ..

و كما أقدم انتقادات يجب أن أقدم البدائل التي تحقق نفس الأهداف التي نتفق عليها جميعا .. و هو ما سأقوم به في الجزء الأخير .. لكن قبل ذلك  .. علينا تناول ما يسمى بالليبرالية الإسلامية .. و هل حقا الإسلام ليبرالي ؟!

محمد حسن

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.