جراحة إستكشافية !

الأحد 29 مايو, 2011 عند 10:18 ص | أرسلت فى حقن عامة | أضف تعليق
الأوسمة: , ,

لماذا تبدو الصورة كئيبة لأول مرة ؟

 

كنت اظن ان الثورة مزقت النظام السابق و استأصلت الورم الخبيث من جسد الوطن .. لكن من الواضح انها جراحة استكشافية .. فتح الجراحون / الثوار .. بطن الوطن .. و ازالو بعض الانسجة .. ثم توقفوا قبل غشاء واحد يفصلهم عن الفساد المدقع الذي كاد ان يهلك مصر !

عند هذه اللحظة .. توقفوا .. و تشاجروا .. ليتهم تشاجروا على من يقطع الغشاء ليظهر الورم او تشاجروا على استئصاله .. بل اراد كل منهم ان يكون هو من يغلق الجرح و يأخذ الاتعاب و في سبيل ذلك يحاول ان يزيح الاخرين !

…….

  

حلقة بلال فضل مساء الجمعة .. استضافت اخت اللواء البطران .. شهيد الشرطة الذي نعتقد انه كان يرفض فتح السجون و يخاف على البلد حقا لذلك اغتاله النظام في خطة الحقيرة لاستعادة السيطرة !

من تابع الحلقة يدرك حجم المشكلة .. التي يبدو ان جميع الجهات تحاول تداركها و إخفائها .. و ما جال بخاطري هو ان كشف الاغطية عن اسرار هذه القضية لن يورط العادلي و بعض زملائه فقط .. قد يكشف عن فساد وزارة كاملة .. و كما هو ديدن الشرطة في كل مكان و زمان .. يحافظ رجالها على بعضهم البعض .. و يرفضون التخلي عن احدهم كبش فداء .. لأن سفوط واحد يعنى سقوط البقية !

ربما يشكلون ضغطا ايضا على الجهات الاخرى مثل رئاسة الوزراء او حتى القضاء .. و ربما يكون لهذا الضغط قوة كبيرة بحكم تورط اعمدة الجهاز و كبار رجاله و اتحادهم معا .. مما يعني ان مهاجمتهم تعني انهيار الجهاز بأكمله !

……

  

اذا اضفت هذه الفكرة الى كل اسباب الغضب التى يعرفها جميع من نزل او لم ينزل الى التحرير يوم الجمعة .. أجدني حانقا على جميع التيارات السياسية و الاحزاب و الناشطين و الاعلاميين اصحاب  الانحياز الصريح ضد او مع فئات بعينها !

بدلا من ان يتحد الجميع من اجل حماية الثورة و استكمالها .. سعى البعض الى اقصاء الاخر .. سواء بالحملات الاعلامية او الدعاية في الشوارع او على الانتر نت !

انا حانق على  التيارات السلفية لعدم مشاركتهم في هذه الجمعة .. و حانق على الاخوان  بسبب  دعايتهم الغير منصفة ضد النزول .. و حانق على انجرافهم و راء اللعبة السياسية بهذا الشكل الذي يجعلهم دائما عرضة لانتقاد افعالهم حتى لو كانت تمارس من الجميع .. لكنهم لا يمثلون انفسهم فقط طلما حملوا على عاتقهم الانتماء الفكري للإسلام !

انا حانق على التيارات المنافسة للإخوان التي تسعى بكل الطرق الى اقصائهم من الصورة و تحارب وجودهم سواء على مستوى الحوار السياسي أو على مستوى الشارع .. و سفيشلون بدون شكل طالما يستخدمون هذه الاساليب الضعيفة التى تدل على فشلهم في الشارع !

أنا حانق على إتلاف الثورة و التيارات المشاركة في الجمعة و التي أصرت على ان تكون طلباتها الخاصة بالدستور و المحلس الرئاسي من اول اهداف الجمعة التى من المفترض ان تعبر عن مطالب الشعب .. حانق عليهم لتسببهم في اخراج الاخوان و السلفيين من الصورة بهذا العناد و الاصرار !

أنا حانق على الاعلام و الناشطين على الفيس بوك لانهم يهاجمون تصرف الاخوان – بكل ما فيه من خطأ – و تهمونهم بشق الصف .. على الرغم من ان شق الصف يعود الى الاصرار على مطالب لا يتفق عليها الجميع .. و يتم اعلانها بكل اصرار و كانها تحدي و محاولة متعمدة للاقصاء !

انا حانق على من نزل التجرير و هو يتمنى عدم وجود الاخوان و السلفيين .

انا حانق على من لزم بيته و تمنى ان يكون العدد قليل .

انا حانق على من يتظاهر ان انشقاق الصف سببه تيار واحد و على من أسعده ان يحدث ذلك .

أنا حانق على من يتفاخر ان نزول الناس الى التحرير كان في مصلحة حزب او تيار ما أو ضد حزب او تيار ما .. بدلا من ان يكون لمصلحة مصر !

أنا حانق على كل من يحاول ان يؤمن وجوده السياسي او يحارب وجود الاخر .. قبل أن يؤمن الوطن و يحارب الفساد و النظام السابق

.

أنا حانق على كل من انغمس في محاولة فرض صورته عن الديمقراطية او مستقبل الخريطة السياسية في مصر و الدعاية لذلك ..

بدلا من الانغماس في تطهير مصر بالعدل و الحق و الدعاية الى ذلك .

أنا حانق على كل من يستمر على موقفه و يحاول اقصاء و تشويه الطرف الاخر .. بدلا من التفكير في مصلحة الوطن .. و التعاون و الاعتراف بالاخر .. و الدعوة الى التوحد خلف اهداف الشعب حقا .

من دون ذلك الوعي و الاتحاد  .. انا – لأول مرة – متشائم !

محمد حسن

28 – 5 – 2011

مصر بين الاحترام و التراب !

الخميس 26 مايو, 2011 عند 9:56 ص | أرسلت فى حقن عامة | أضف تعليق
الأوسمة: , , , , , , , , , , , ,

العنوان الغريب مستوحى من صديقين عادا إلى مصر منذ أيام قليلة .. بطبيعة الحال سألتهم ” مصر عاملة إيه ؟ “

كلاهما شخص لم يعايش الثورة في مصر .. كلاهما كانت لديه نفس الصورة عن مصر قبل 25 يناير .. كلاهما تابع الإعلام و كله شوق و حيرة و أمل و خوف بخصوص المستقبل .. صديقي الأول أجابني مباشرة :
” كويسة و الله .. الناس بتحترم بعضها في الشارع “

طبعا تعجبت من الإجابة و سألته عما يعنيه .. لكنه كان يعنى هكذا بالضبط .. الناس تحترم بعضها أكثر مما كان معتادا قبل الثورة ! .. و سألته عن التواجد الأمني فقال أن الشرطة غير ظاهرة لكن لا توجد مخاطر أو بلطجة بالدرجة التي كان متخوفا منها قبل العودة إلى مصر .

الصديق الآخر كانت إجابته مختلفة عندما سألته نفس السؤال :

” الشوارع مليانة تراب “

و عندما استفسرت عن مقصده .. اخبرني كيف فقد شارع البحر في طنطا أناقته و انطفأت أنواره الزاهية و امتلأ بالأتربة !

و على الرغم من أن الإجابات السابقة قد تبدو سطحية نوعا مقارنة بما يتناقش فيه المثقفون و الثوار .. إلا أنني اعتقد أنها تلخص باقتدار الحالة الشعورية للمواطنين البسطاء .. التراوح ما بين الحماسة و الإحباط !

الحماسة و الأمل في غد أفضل بعد أن تحطمت القيود النفسية للمصري البسيط و تحرر من العوامل التي كانت تجبره على العيش في دوامة الفقر و الذل و المرض إضافة إلى اليأس من تغير الحال !
و الإحباط لأنه لم يخرج بعد من هذه الدوامة .. تخلص من الجلاد لكنه لم يتجاوز أسوار زنزانة بعمق ثلاثين عام !

نعم تغيرت أشياء في الناس .. و نعم ظلت أشياء عالقة .. و لأن هذه الشوائب كثيفة للغاية .. لا يكاد يخترقها النور و تبدو الصورة  ضبابية في نظر المعايشين لهذه التغيرات .. و لكن نظرة من الخارج تستطيع أن تفصل ببساطة بين الانجازات التي تحققت و المشاكل التي تحتاج مزيدا من الجهد كي نتغلب عليها ..

و لهذا خطر لي أن أتذكر بعض من أحلامي قبل و بعد الثورة .. و أقارنه بين الواقع الذي يحدث ألان .. ربما يساعدني هذا على الرؤية بشكل أوضح .

قبل الثورة :

 كنت أتمنى أن يجرؤ الناس على المطالبة بحقوقهم .. ليس بشكل جماهيري و لكن بشكل فردي عندما يواجهون الظلم أو التعسف  .. كنت أحلم أن يموت رئيس الجمهورية و يتسلم الحكم شخص غير ابنه .. شخص لديه قدر من الضمير فقط ليعطل عملية مص دماء الشعب من رجال الأعمال .. كنت احلم بحكومة تعمل حقا على مصالح الشعب و ليس مصالحها الشخصية .. بمستشفيات تعالج الناس أكثر من قتلهم .. بمدارس تعلم الأطفال أكثر من إفسادهم .. بموظف ينفع الناس أكثر من استغلالهم !

كنت أحلم بضابط شرطة لم يدخل الكلية عن طريق الواسطة أو الرشوة .. و يحترم المواطن و يطبق القانون .. و بوكيل نيابة  لم يدخل سلك القضاء بنفس الطريقة .. فيؤمن بالعدل  والمساواة والحرية و يحكم بهم .. كنت أحلم بيوم نمارس فيه انتخابات نزيهة .. يشترك بها الشعب كله و يحافظ على نزاهتها قبل المسئولين  .. كنت أحلم  بتصريح رسمي عنيف يرفض تجاوزا إسرائيليا .. و تهديدا .. و طردا للسفير !

و عندما قامت الثورة :

 حلمت بنزول الجيش إلى الشارع في صف الشعب .. حلمت برحيل مبارك في خطابه الأول .. حلمت بالجيش لا يتدخل في الإعلام و لا الحركة السياسية .. و يحافظ على البلاد فقط حتى تتم الانتخابات .. حلمت بحكومة شرف تعمل على تحسين الأوضاع و ضمان الاستقرار حتى تنتهي مهمتها عن قريب .. حلمت بمحاكمة العصابة الإجرامية التي انتهكت البلاد سياسيا و اقتصاديا .. حلمت بتعاون جميع القوي السياسية المخلصة و التخلص من كل رموز النظام السابقة في الحكومة أو في المعارضة ..حلمت بشوارع آمنة و بلطجية  مطاردين من الشرطة  .

 حلمت بالجميع يعمل و يجتهد مدركا أن هذا هو السبيل الوحيد للتقدم .. حلمت بالأحزاب و التيارات تتعاون معا .. و تحترم نتائج الاستفتاء .. حلمت بكل من له مطالب أن ينتظر انتهاء المرحلة الانتقالية .. و يحافظ على الاستقرار و العمل و ينبذ التعصب و المطالبات الفئوية حتى تنتهي العاصفة .. حلمت بمصر تنهض من بين الرماد قوية متجانسة محددة الأهداف !

ماذا عن الواقع :

ثار المصريون فعلا .. واجهوا القنابل و الرصاص  .. باتوا في الشوارع و الميادين .. رفعوا العلم لأول مرة في مناسبة غير كروية .. عاد الإحساس بالكرامة .. عاد الإحساس بحلاوة الانتماء .. سقط الرئيس و رموز الفساد .. اندهش العالم .. و صفق للشعب الذي ظنه الجميع في عداد الأموات !

لكن بدلا من العمل الجاد و الاجتهاد .. تعالت المطالب الفئوية .. و كثرت الاعتصامات و الإضرابات .. وكأن الثورة نجحت و انتهت و علينا قطف الثمار .. كل من له طلب لم يعد يرى ظروف البلاد أو الاقتصاد أو الأحوال الأمنية .. فقط يريد أن يشعر بمكسبه الشخصي من الثورة !

المجلس العسكري أثار سخط الثوار بالبطء و العمل تحت ضغط المليونيات و التعامل العنيف مع الشباب باعتبارهم بلطجية و ليسوا مواطنين أحرار .. و إصدار قوانين استثنائية غير مقبولة  .. ربما يواجه المجلس فعلا ضغوطا عربية و دولية لا يمكن التصريح بها .. لذلك يماطل في محاكمة الرئيس .. لكن هناك اتجاهات كثيرة يمكنها تعويض ذلك التقاعس .. الملف الأمني و الملف الطائفي و الملف السياسي .. يمكنها أن تصبر المصريين حتى ينتهي دور الجيش و يسلم البلاد !

الأقباط يمارسون ضغوطا و استعراضا للقوة .. و يعلن القس أمام الكاميرات أن هذه مشاكل عمرها أربعة عشر قرنا من الزمان .. ثم يعود و يقول أنها مطالب الشعب المصري .. و كأن كلامه و تصريحاته لا تنضح بالعنصرية و التعصب المتأصل في نفسيته من ” الإسلام ” كدين و ليس ملف الأقباط المعاصر ! و على الرغم من ذلك يتعامل المجلس العسكري معهم بطريقة مختلفة و يحاول أن يتخطى الأزمة الوقتية حتى يستطيع تسليم البلاد .. مما يعزز شعور القوة لدى الأقباط و يجعل الضغط ورقتهم المفضلة في رفع مطالبهم الطائفية المتجاوزة أصلا للقانون في أحيان كثيرة !

بالطبع استعراض القوة من الأقباط أو أي قوى أخرى يعد بمثابة عامل محفز لخروج التيارات و القوى الإسلامية و استعراض قوتها و تأثيرها الشعبي بغض النظر عن دقة أو صحة ما يثار من قضايا !

الأحزاب السياسية و الناشطون الذين قالوا لا في الاستفتاء على الدستور و عندما خرجت النتيجة بنعم تعالوا على الشعب و طعنوا في النتيجة على أساس أن الناس تم خداعهم .. و لم يتعلموا الدرس و ينزل والى الشارع بل ظل معظمهم يمارس السياسة من منازلهم .. و الآن يطالبون بالدستور أولا .. و كأن الاستفتاء لم يكن .. و كأن الشعب يحتاج إلى من يحافظ له على حقوقه رغما عن إرادته !
الحجج واهية .. فالأغلبية لن تنفرد أبدا بوضع الدستور بعد الانتخابات و الدستور أولا يعني أن تطول فترة المجلس العسكري و ليس العكس .. و فكرة أن الاستفتاء لم يكن على كل المواد تعني أن يعترض من قالوا نعم و ليس من قالوا لا – و أنا منهم بالمناسبة !

الداعون إلى ثورة غضب ثانية .. ترى ماذا سيكون رد فعل رجل الشارع العادي .. ماذا سيكون رد فعل أهالي المناطق العشوائية الذين ذاقوا نيران و جحيم الثورة و قدموا المصابين و الجرحى و لم يتذوقوا بعد قطرة من عسلها ؟

هل تتوقعون خروجهم معكم ؟ لا أظن !

رجل الشارع ربما يكون حائر بين الحماسة و الإحباط بالفعل .. و ليس المجلس العسكري هو النظام الجديد الذي نحتاج إلى إسقاطه .. الجميع مشارك في الوضع الحالي .. الشرطة المتخاذلة .. المضربون عن العمل .. أصحاب المطالب الفئوية .. المتعصبون دينيا من المسلمين و الأقباط .. الأحزاب التي ترفض الاعتراف بالواقع و تصر على فرض رؤيتها بدلا من الخضوع للديمقراطية الحقيقية .. كتاب الصحف و مقدمو البرامج التي تهتم بالسبق أو الربح  دون اهتمام بالمصداقية .. عمال النظافة و الكهرباء و المسئولين الذين لا يهتمون بأناقة شارع البحر !

محمد حسن

24 – 5 – 2011

صلح الحديبية – مصر 2011

الخميس 26 مايو, 2011 عند 9:46 ص | أرسلت فى حقن عامة | تعليق واحد

إن المتأمل في صلح الحديبية .. يجد دروسا سياسية عظيمة .. و حكمة بالغة .. يجب أن نتدارسها و نتعلم منها و نحاول الاستفادة من ذلك في الصراع السياسي و الفكري الدائر حاليا .. و أنا لا أشبه الأحوال أو الظروف الحالية بصلح الحديبية .. لكنني أتحدث عن الدروس المستفادة

فالرسول عليه الصلاة و السلام .. قدم تنازلات حقيقية في شروط المعاهدة و نصوصها إلى الحد الذي أثار مشاعر المسلمين و زرع غصة في حلوقهم .. فلم يكونوا في موقف ضعف أو هزيمة يضطرهم إلى التنازل ..  حتى أن الرسول كرر عليهم ثلاث مرات الأمر بالقيام و التحلل من الإحرام لكنهم لم يفعلوا إلا عندما قام صلى الله عليه و سلم و فعل ذلك بنفسه فقاموا و تحللوا .

لقد كتب في المعاهدة باسمك اللهم .. و ليس بسم الله الرحمن الرحيم .. و ذلك لأن الكفار لا يعترفون بالرحمن .. و كتب محمد بن عبد الله بدلا من محمد رسول الله .. لنفس السبب .. و قد كان ” علي ” رضي الله عنه هو من يكتب و أمره الرسول بمسح كلمة ” رسول الله ” فلم يفعل حتى مسحها النبي صلى الله عليه و سلم بنفسه ..

شروط المعاهدة نفسها .. أن يرجع المسلمون في هذه السنة و لا يدخلون مكة .. و أن توقف الحرب لعشر سنين .. و أن تتاح الحرية للقبائل أن تنضم إلى قريش أو إلى المسلمين .. و الشرط الأكثر إجحافا هو أن من يرجع من المسلمين إلى قريش يقبلوه و من يسلم من قريش و يذهب للمسلمين يردوه إلى أهله .. حتى أن أبي جندل بن سهيل بن عمرو جاء إلى الرسول مسلما و مستنجدا بعد عن تم الاتفاق مع سهيل بن عمرو مبعوث قريش .. فرده رسول الله مع أبيه و قال له : ” يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم ” أو كما قال صلى الله عليه و سلم

و قد كان في ذلك بعد نظر و حكمة عظيمة .. فقد تم الاعتراف بقوة المسلمين و بوجودهم في شبه الجزيرة العربية .. و أتيحت الفرصة لدخول القبائل في الإسلام في ظل الهدوء و السلام بعد هذه المعاهدة و كان ذلك نصرا و فتحا عظيما للمسلمين على الرغم من الشروط المجحفة في المعاهدة .

الدروس المستفادة :

الدرس الأول و الأهم .. يجب أن تقدم تنازلات .. فمادمت لست طرفا منتصرا يملي شروطه على الطرف الضعيف .. يجب أن تكون هناك تنازلات و يجب أن يتم الاتفاق على أساس مشترك .. و أنا هنا لا اطلب من احد تغيير المبادئ أو الأفكار .. و لا اطلب من احد أن يتنازل عن حقه في التعبير عن رأيه و الدعوة إلى فكره .. أو حتى في انتقاد أفكار و آراء و اتجاهات الآخرين .. لكنني ادعوه إلى تقبل وجود الآخر و حقه في ممارسة نفس الشيء .. طالما الاتفاق المشترك سوف يسمح لهما معا بذلك ..

لا يخفى على احد أن الثورة تواجه منعطفا خطيرا للغاية .. و أحلامنا جميعا مهددة ما لم نتيقظ و ننتبه لما يحاك في الظلام من كل أعداء العدل و الحرية الذين استفادوا من النظام السابق و يضرهم حتما أن تنجح الثورة .

المشكلة هي أن نستطيع التفرقة بين الأفكار و الآراء و الاتجاهات الشخصية .. و بين ما نستطيع أن نتوصل إليه من ” ممارسات و تطبيقات ” متناسبة مع الظروف و الواقع .. فالإسلامي أو السلفي الذي يرفض الليبرالية كمبدأ أو كتطبيقات سياسية .. لا ينبغي له أن يعرض عن أصحاب الفكر الليبرالي و يرفض التفاهم معهم حول الشكل السياسي الذي يسمح لمصر أن تخرج من الأزمة الحالية و يتقدم بنا خطوة نحو الأمام .. فما لا يدرك كله لا يترك جله .. و عليه أن يقدم تنازلا حقيقيا يتعارض مع فكره من اجل أن يحقق مكسبا حقيقيا في المستقبل يسمح له بحرية نشر فكره ..

كذلك الليبرالي أو العلماني عليه احترام حق السلفي و الإسلامي في التعبير عن أفكاره و في مهاجمة المبادئ التي لا تتفق مع فكره .. دون أن يحقر من شأنه أو يتهمه باستغلال الدين أو سوء الفهم و ما إلى ذلك .. بل يجب عليه أن يركز على الأهداف المشتركة و يقدم تنازلات حقيقية هو الآخر تتعارض مع مبادئه و أفكاره و تسمح بالتعايش المشترك مع أصحاب الأفكار المختلفة .. من اجل تحقيق مكاسب حقيقية في المستقبل تسمح له بحرية نشر فكره ..

بينما محاولات رفض الآخر و إقصائه و التأثير على الحياة السياسية في مصر بما يتفق مع أهداف تيار محدد .. كل ذلك لن يحقق إلا أهداف أعداء الثورة ..

لذلك فكل الأحزاب و الرموز السياسية و الاجتماعية و الإعلامية التي أخذت على عاتقها محاولة تشويه و رفض الوجود الديني سواء للسلف أو الإخوان في الخريطة السياسية هي في الواقع من ضمن الأخطار التي تهدد الثورة ..

و أيضا كل الرموز و الاتجاهات الدينية التي أخذت على عاتقها الرفض المطلق للأخر و عدم قبول فكرة العمل المشترك أو التنازل في بعض الأمور – مع الحفاظ على مبادئها و أفكارها معلنة و ثابتة – و ذلك في مقابل التواجد الحقيقي المعترف به في الحياة السياسية تعد من الأخطار التي تهدد الثورة ..

لا يجب علينا أن نتحد جميعا في تيار رئيسي مشترك .. لكن الأكثر منطقية هو أن نتحد جميعا في أهداف مشتركة .. و هذا هو سبب نجاح الثورة و سر روح ميدان التحرير ..  فقد أقصى الجميع قضايا الاختلاف و التعارض الفكري و اختلاف الدين و توحد على أهداف مشتركة ..

لذلك يجب علينا جميعا أن نتوحد خلف من يسعون إلى خلق ارض مشتركة و أن نتنازل عن بعض الأشياء لنستطيع أن نتعايش سويا في بيئة صحية تسمح لنا جميعا أن ندعو إلى أفكارنا و مبادئنا .. و في نفس الوقت نعطي بعضا الحق في انتقاد مبادئ و أفكار الآخر في إطار منفصل عن التطبيق و الواقع السياسي ..

لا ينبغي أن اعترف أو اقر بالديمقراطية ذات المرجعية الليبرالية أو فكرة الحرية الدينية .. فلدي في مبادئ الشريعة الإسلامية التي اقتنع بها ما يتعارض مع ذلك .. لكن ذلك لا يعني أنني لن أمارس دوري في هذه الديمقراطية و لن أحاول تجاوز القوانين أو الدعوة إلى قتل من يغير دينه من المسلمين .. لان هذه في المحصلة النهائية سوف يضر بالوطن و يضر بالمبادئ و الأفكار التي اعتنقها ..

على الجانب الآخر أيضا أن يقدم تنازلات فعلية و يسمح للطرف المعارض بالتواجد .. حتى لو كانت أفكاره تتعارض بشكل صريح مع ما يؤمن به فلن يعني ذلك الانهزام أو التأخر أو خطوة ضد الحرية و الديمقراطية  .. بل يعني الإقرار بالحرية و الديمقراطية المنشودة فعليا !

محمد حسن

عن الليبرالية ج 6 – بديل سياسي

الخميس 19 مايو, 2011 عند 8:42 م | أرسلت فى حقن عامة, عن الليبرالية | أضف تعليق
الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

بعد أن تناولت بالنقد الليبرالية و تطبيقاتها في الأجزاء السابقة .. و جب علي أن أقدم فكرا بديلا أو نظاما ذا مرجعية مختلفة يحقق الأهداف و النتائج نفسها التي يتفق عليها الجميع .. فمن وجهة نظري الشخصية أن المرجعية الليبرالية رغم أنها قد أفادت الغرب في التخلص من السيطرة و النفوذ الديني الخاطئ للكنيسة و في إرساء قواعد و أساسيات للعدل و الحرية كان الغرب مفتقرا إليها وسط استبداد الإقطاعيين و الملوك.. إلا أن لدينا نحن ما هو أفضل لنستنبط و نستخرج منه نظما تناسب واقعنا و عصرنا الحالي .. و هو الإسلام .

من الناحية السياسية .. نحتاج إلى أن نفرق بين الدولة الإسلامية بالمفهوم العالمي المتمثل في نظام الخلافة و المبايعة الثابت و الذي تم تطبيقه في عهد الخلفاء الراشدين .. حتى أن ” عمر بن عبد العزيز ” رحمه الله – الملقب بخامس الخلفاء الراشدين – قد أصر على أن يأخذ البيعة من الناس على الرغم من انه لم يكن يحتاج إلى ذلك عندما آل إليه الحكم .

ينبغي أن نفرق بين هذا النظام العالمي – الغير معترف بالحدود أو العصبيات الجنسية – و بين ما نحتاجه الآن ليناسب التطبيق المعاصر في دولة مثل مصر .

ما أقترحه هو نظام سياسي ديمقراطي على أسس مرجعية إسلامية .. و ديمقراطية هنا لا تعني المفهوم الليبرالي المتمحور حول الفرد الذي قمت بانتقاده في الجزء الثالث من هذه المقالات .. و لكن ديمقراطية بمفهوم إسلامي تتضمن مساهمة جميع أفراد الشعب في نظام هرمي يضمن لكل فئة أن تشارك في حدود قدراتها الحقيقية و من واقع احتياجاتها الحقيقية .. بحيث لا يمكن استغلال صوت الفرد لصالح قوة ما .. و لا يمكن أن يسيء الفرد استغلال صوته فيضر المجتمع ..

كيف ذلك ؟

لدي تصور يعتمد على آية من كتاب الله الكريم .. يقول الله تعالى :

”  ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم

سورة النساء – الآية 83

هذا التصور يهدف إلى مشاركة جميع فئات و أفراد المجتمع في حدود قدراتهم و ما يمس حياتهم بشكل مباشر لتكون قراراتهم مبنية على وعي و معرفة كافيين ..

 فمثلا لدينا قرية صغيرة بها وحدة محلية كأصغر عنصر في بناء النظام .. هذه القرية لها احتياجات و متطلبات ترتبط مباشرة بحياة الفلاحين الذين يقطنوها .. يكون للفلاح المزارع البسيط رأي هام و حق و صوت في هذه القرية فيما يخص أرضه و زراعته و مرافقه الأساسية .. و يتم تكوين مجلس محلي من أبناء هذه القرية أنفسهم .. و يتم انتخاب رئيس أو ممثل لهذه الوحدة التي تعبر عن قرية مصرية صغيرة .. و يعبر هذا الشخص عن رغبات و احتياجات هذه القرية في المجلس الأكبر الذي يجمع القرى المحيطة مثلا ..

و يكون هناك مجلس أخر للمدينة .. من مندوبين القرى أو الأحياء التي تتكون منها هذه المدينة ليناقش مشاكل و متطلبات المدينة .. و يتم انتخاب شخص أو عدد من الأشخاص لتمثيل هذا المجلس على مستوى المحافظة .. ثم ننتقل درجة إلى الأعلى بمجلس يمثل جميع محافظات مصر .. كل فرد في هذا المجلس تم انتخابه من قبل أهل قريته أو مدينته أو محافظته .. فيعبر عنهم في هذا المجلس و يناقش القضايا التي تخصهم .. لدينا الآن المجلس الأول .

كذلك في النقابات الفرعية يتم انتخاب المجلس الذي يختار ممثلين ليكونوا مجلس آخر للنقابة العامة و الذي يختار ممثلين ليعبروا عن آراء و متطلبات أفراد نقابتهم المختلفة في مجلس أعلى .. لدينا إذن مجلس ثاني .

هناك أيضا مجموعة من العلماء و المفكرين و الأدباء و المستشارين و المتميزين في أي مجال من مجالات الحياة .. يمثلون مجلس العلماء أو الحكماء .. يكون هو المجلس الثالث .

و من الأمور البديهية أن الوزارات يتم اختيار القائمين عليها على حسب التخصص و الكفاءة و ليس الولاء .. أو كما يقال حكومة تكنوقراطية .. و يكون مجلس الوزراء هو المجلس الرابع .

و أخيرا .. مجلس من علماء الدين .. للوقوف على المرجعية الإسلامية و اتفاقها أو اختلافها مع ما يسن من قوانين ..  و سوف أتناوله بعد قليل عند مناقشة المرجعية ..

الآن يمكننا بعد تكوين المجالس أن نمارس الديمقراطية بشكل هرمي متخصص ..

للفلاحين الحق في التصويت و الاختيار فيما يخص أعمالهم و أرزاقهم و قضاياهم المحلية .. كذلك للمهندسين الحق في مناقشة القوانين التي تخص مهنتهم و يمارسون الديمقراطية في حدود تخصصهم .. كذلك رجال القانون .. و جميع فئات المجتمع ..

ماذا عن القضايا التي تخص محافظة كاملة ؟ لدينا بالفعل مندوبين تم اختيارهم من قبل أهالي المحافظة ليعبروا عن متطلباتهم .. يمارسون الديمقراطية و يأخذون برأي الأغلبية فيما يخص محافظتهم ..

ماذا عن القضايا التي تخص الدولة ككل .. لدينا بالفعل خمسة مجالس قوية .. يعبر كل فرد منها عن شريحة من المجتمع أو يحمل من العلم و المعرفة ما يجعل لرأيه أهمية و ثقل كبير .. تتناقش هذه المجالس و تتعاون معا و يتم الأخذ بالرأي صاحب الأغلبية من أفراد هذه المجالس .

هكذا تحقق الديمقراطية أهدافها فعليا و تتجنب مخاطر الأصوات الفردية الغير مؤهلة و التي قد تختار على أسس خاطئة .

يشبه الأمر أن تطلب من نجار مسلح أن يختار رئيسا لوكالة ناسا .. المثال متطرف لكنه يوضح الفكرة العامة .. لا يمكنك أن تساوي رأي مزارع بسيط برأي أستاذ في القانون الدولي صاحب خبرة سياسية طويلة فيما يتعلق بالدستور مثلا .. كلاهما يتمتعان بحقوق متساوية .. لكن إمكانياتهم و قدراتهم مختلفة .. لذلك يجب أن يكون لأرائهم قوة مختلفة ..

يمكن أن نشبه الدولة بفريق كرة القدم .. كل لاعب له إمكانيات مختلفة لذلك فكل لاعب له مكان و دور محدد في الملعب .. قد يكون المهاجم أكثر شهرة أو أكثر تأثيرا في المباراة لكن هذا لا يمنع أن المدافع أو حارس المرمى أو المدير الفني أو طبيب الفريق لهم ادوار لا تقل أهمية .. و لكن كل واحد في مكانه يحقق الأداء الأفضل للفريق .

هذا هو مفهومي عن الديمقراطية الحقيقية .. أن يكون لكل فرد في المجتمع حق و صوت هام في حدود قدراته و معارفه و ظروفه .. فاختيار رئيس وحدة محلية في قرية صغيرة يمكن أن يترك للفلاحين في هذه القرية .. أما الأمور التي تمس البلد كلها و التي تحتاج لمعارف و قدرات فكرية اكبر يؤخذ فيها برأي من ينتخبه هؤلاء من للتعبير عنهم أو رأي من له معرفة علمية كافية بهذه المسألة ..

بهذه الطريقة لا يتم استغلال عاطفة الناس أو جهلهم عن طريق الإعلام أو الدعاية الدينية أو أي وسيلة أخرى للتأثير عليهم و حشد أصواتهم لتحقيق رغبات قوى اقتصادية أو سياسية أو دينية .. و في نفس الوقت يستخدم كل فرد حقه في التأثير المباشر على ما يتعلق بحياته و معيشته من خلال ممارساته الديمقراطية في نطاق دائرته .

من المخاوف التي قد نواجهها مسالة ظلم الأقلية .. أن تكون هناك قرية بها عائلة تشكل أكثر من نصف السكان مثلا .. فيجب أن يكون هناك ممثلين في مجلس هذه القرية لبقية العائلات و يحرص هؤلاء على أن لا تسيء الأغلبية استخدام عددها فيما يضر أو يميز بين جميع أفراد الفرية من حيث حقوقهم و مصالحهم  .

كذلك الأقلية المسيحية في مصر .. يجب أن يكون لها ممثلين لضمان حقوقهم و مناقشة قضاياهم .. إضافة إلى عدم التمييز في النقابات و الوزارات و المجالس المختلفة .. بحيث يكون الاختيار مبني فقط على الكفاءة .

و انتهز الفرصة لأشير إلى أن المرجعية الإسلامية لا تهدد المسحيين في مصر .. بالعكس .. إنها تعطيهم حقوق و حريات اكبر من الموجودة حاليا و تحافظ عليهم و على مقدساتهم و على شعائرهم و حقهم في تطبيق شريعتهم .. فالإسلام يعطي قدرا من الحرية و العدل في تعامله مع غير المسلمين أكثر من أي نظام موجود في العالم يتعامل مع أقليات أو ديانات مختلفة ..

كما أن نظام كهذا سوف يسمح لهم بالمشاركة الفعالة في كل ما يخص البلاد على حسب تخصصاتهم و معارفهم ..

و يتم سن القوانين و القواعد في هذا النظام طبقا للشريعة الإسلامية العظيمة .. و لكي يتم تحقيق مرجعية إسلامية وسطية غير متحيزة في ظل الاختلاف و التباين الموجود حاليا .. يجب أن يكون مجلس علماء الدين – الذي تمت الإشارة إليه سابقا – مكونا من جميع الاتجاهات الفكرية الإسلامية المختلفة  و يمارس هذا المجلس أيضا الديمقراطية و التقيد برأي الأغلبية بعد أن يتناقش الأعضاء بالحجج و الأدلة  ..

و يتم انتخاب رئيس لهذا المجلس من بين أعضائه و يتغير بصورة دورية .. و يبت هذا المجلس في جميع القضايا التي تتعلق بالفرد أو المجتمع أو الدولة بناء على المرجعية الإسلامية .. من حيث الاتفاق أو الاختلاف فقط .. بينما تتولى المجالس المختلفة أو الهيئات المتخصصة البت في هذه القضايا من النواحي العلمية و التطبيقية ..بالتالي لا يكون لهذا المجلس أي سلطة تنفيذية أو سيادية .. بل هو لجنة علمية متخصصة مثل أي لجنة في البلاد تبت برأيها في أي مسالة متعلقة بتخصصها .. و بهذا لا يكون هناك سلطة أو نفوذ ديني .. بل نظام تكنوقراطي ديمقراطي إسلامي المرجعية ..

 

هذا مجرد اجتهاد شخصي لوضع نموذج أظنه قابل للتحقيق و يحقق ما نؤمن به جميعا من مبادئ أساسية .. و هو لا يعني انه النموذج الوحيد أو المنظور الإسلامي الاحتكاري للدولة مثلا .. فالإسلام كمرجعية لا يفرض أشكالا محددة لكل كبيرة و صغيرة .. بل هو يضع الخطوط العريضة التي يمكن بناء عشرات النماذج المعتمدة على قواعدها الأساسية بما يتناسب مع ظروف و مصلحة كل بلد ..

هكذا تنتهي رؤيتي بخصوص الليبرالية و مشتقاتها و علاقتها بالإسلام .. أتمنى أن يصححني من يجد أخطاء في المعلومات أو في الفهم و التحليل .

 

محمد حسن

عن الليبرالية ج 5 – بديل اقتصادي

الخميس 19 مايو, 2011 عند 8:29 م | أرسلت فى حقن عامة, عن الليبرالية | أضف تعليق
الأوسمة: , , , , , , , , , , , ,

بعد أن تناولت بالنقد الليبرالية و تطبيقاتها في الأجزاء السابقة .. و جب علي أن أقدم فكرا بديلا أو نظاما ذا مرجعية مختلفة يحقق الأهداف و النتائج نفسها التي يتفق عليها الجميع .. فمن وجهة نظري الشخصية أن المرجعية الليبرالية رغم أنها قد أفادت الغرب في التخلص من السيطرة و النفوذ الديني الخاطئ للكنيسة و في إرساء قواعد و أساسيات للعدل و الحرية كان الغرب مفتقرا إليها وسط استبداد الإقطاعيين و الملوك.. إلا أن لدينا نحن ما هو أفضل لنستنبط و نستخرج منه نظما تناسب واقعنا و عصرنا الحالي .. و هو الإسلام .

اقتصاديا .. ليس لدي الكثير لأقوله .. فالنظام الاقتصادي الإسلامي لا يحتاج إلا إلى تطبيق قواعده على أشكال التجارة المعاصرة فقط .. و المقصود بالاقتصاد الإسلامي هو الاقتصاد الذي يلتزم بقواعد الشريعة الإسلامية فيما يخص التجارة .. سواء فيما ورد فيه نصر قرأني أو سنة مؤكدة .. أو في ما يتعلق بالحلال و الحرام عامة .. مثل تحريم إنتاج الخمور مثلا !

و هو اقتصاد حر عامة .. لا قيود فيه على التسعير و لا على التملك إلا في حدود ما يضر المصلحة العامة .. بحيث لا يحدث احتكار و في نفس الوقت تكون الدولة مسئولة عن المرافق و الخدمات العامة التي تفيد المجتمع ككل فلا تستغل بما يضر الناس ..

و النقود في الاقتصاد الإسلامي ليست سلعة لذلك لا يجوز المتاجرة بها عن طريق القروض مثلا .. و الربا محرم بأشكاله الصريحة أو بأي وسيلة للتحايل عليه .. و الاحتكار كذلك منهي عنه في السلع الرئيسية التي تمس أقوات الناس و يتميز النظام الإسلامي بوجود الزكاة كعنصر هام له فوائد كثيرة اقتصاديا و اجتماعيا .. كما يتميز بوضع قواعد تحقق العدل في المضاربات و المشاركات و المتاجرات بحيث يتحمل الخسارة أو يستفيد من الربح جميع الأطراف ..

و لأضرب أمثلة سوف أورد بعض من الآيات و الأحاديث التي تمثل عينة من الإرشادات التي وضعها الإسلام كخطوط عريضة للاقتصاد ..

يقول الله تعالى :

و أحل الله البيع و حرم الربا ” سورة البقرة – الآية رقم 275

يمحق الله الربا و يربي الصدقات ” سورة البقة – الآية رقم 276

و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن ؟ قال: الشرك بالله, والسحر, وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, والتولي يوم الزحف, وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ” رواه البخاري و مسلم

و غير ذلك من آيات و أحاديث صحيحة في الربا و التي تعد من إعجاز الإسلام حيث تتعارض بشكل مباشر مع أنظمة البنوك الربوية و الأنظمة الاقتصادية الحديثة التي تعتمد الفائدة و التي تسببت في الفقاعات الاقتصادية – لتنامي القروض بدون أصول حقيقية متناسبة مع قيمتها – و أدت إلى تراكم الديون و تضخمها مما أدي إلى أزمة اقتصادية عشناها قريبا و كان من الحلول المقترحة إلغاء نسبة الفائدة و التي تم تقليصها فعلا أثناء الأزمة .. مما يعني أن الإسلام كان سباقا بتلافي هذه المشكلة .. هذا غير ما ينطوي عليه النظام الربوي من أضرار اجتماعية و اقتصادية على مستوى الأفراد و صغار المستثمرين .

كذلك التسعير بصفة عامة غير موجود في النظام الاقتصادي الإسلامي إلا في أوقات الضرورة التي قد يتسبب عدم التسعير فيها بأضرار للمجتمع مثل احتكار فئة ما لمنتج ما وقت الأزمة و قد جاء الناس إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يشتكونه غلاء الأسعار في فترة ما في المدينة و طلبوا منه أن يسعر لهم و لم يكن هناك ضرورة لذلك فقال صلى الله عليه و سلم : “ إن الله هو المسعِّر ، القابض الباسط الرازق ، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال

كذلك قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في الاحتكار : ” لا يحتكر إلا خاطئ ” رواه أحمد و مسلم و أبو داوود

هناك أيضا حديث لافت للنظر .. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ” لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصَرِّ الغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر

و في هذا الحديث ينهي الرسول عليه الصلاة و السلام عن خمسة أنواع من البيع .. فتلقي الركبان مثلا هو أن يتلقى التاجر بائعا أو مزارعا خارج المدينة و يشتري منه بضاعته كلها و يعود هو ليطرحها في المدينة بسعر أعلى  مما يعود على الناس بالضرر .. و نهى أيضا أن يبيع شخص ما على بيعة أخر بسعر مختلف مثلا .. مما يسبب البغضاء و الحقد .. و التناجش هو أن يزيد الإنسان في سعر سلعة ما بينما هو لا يريد شرائها فيعود بالضرر على من يشتريها غيره .. كذلك النوعين الأخيرين ينطوي احدهما على ضرر من زيادة السعر و الآخر على نوع من الغش و التدليس .. و يعطي النبي صلى الله عليه و سلم الحق لمن تم خداعه أن يتراجع في البيع إذا لم يرضيه ما اشتراه  .

و كل ذلك يرتقي بعملية البيع و الشراء من مجرد منفعة مادية و مكسب و خسارة إلى قيم أخلاقية رفيعة تحمي المجتمع و ترتقي بالأفراد على المستوى النفسي و الأخلاقي بدلا من قيم السوق المنتشرة حاليا ..

 

و مما لا شك فيه أن بناء نظام اقتصادي على قواعد تعتمد على الشريعة الإسلامية و ابتغاء مرضاة الله أكثر تحقيقا للعدل و التكافؤ و اقل عرضة للفساد و الاستغلال من نظام يعتمد على تحقيق الربح الشخصي  كمحرك رئيسي للسوق .. و في ظني أن تطبيق قواعد الشريعة الإسلامية على الاقتصاد المصري سوف يكون له أثر ضخم في تحسين كثير من الأحوال المتردية و يساهم في تقليص الفجوة بين الطبقات و يرتفع بالمستوى المعيشي للأفراد .. مما سوف يدفع بعجلة الاقتصاد كلها إلى الأمام .

هذا فيما يخص الاقتصاد .. و في الجزء الأخير أعرض تصوري للنظام السياسي ذا المرجعية الإسلامية  الذي أراه مناسبا و قابلا للتحقيق في ظل الظروف الحالية .

محمد حسن

عن الليبرالية ج 4 – علاقتها بالإسلام

الخميس 19 مايو, 2011 عند 8:20 م | أرسلت فى حقن عامة, عن الليبرالية | أضف تعليق
الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

كلمة الليبرالية من أكثر المصطلحات تكرارا هذه الأيام إضافة إلى اشتقاقاتها مثل الليبرالية السياسية و الليبرالية الاقتصادية و الليبرالية الإسلامية .. و فكرة أن الإسلام ليبرالي أصبحت متداولة كثيرا في مناقشات و أراء عدد كبير من المثقفين و السياسيين .. فما هي الحجة المنطقية التي بني عليها هذا الادعاء ؟

أصحاب هذا الاتجاه يعتمدون على أن الليبرالية تهدف إلى المساواة و العدالة الاجتماعية و حرية الاعتقاد و حرية التعبير عن الأفكار .. مستخدمين كثيرا من الأمثال التي لها تأثير ايجابي لأنها تمس قضايا حساسة مثل الظلم أو الفقر أو الفتنة الطائفية .. و بما أن الإسلام يحث أيضا على نفس هذه المبادئ .. إذن فالإسلام ليبرالي !

الواقع أن انتصار الحلفاء الحلفاء في الحرب العالمية فتح الباب لليبرالية كي تنتشر في أوروبا و العالم .. و انهيار الاتحاد السوفيتي ” لعوامل خارجية و داخلية و ليس لمجرد انه اشتراكي ” كان إعلان انتصار آخر للرأسمالية و مفتاح لانتشار أفكارها في العالم  على حساب الفاشية و الشيوعية .. و إلى جوارها ظهرت كثير من المرجعيات .. أهمها الليبرالية الاشتراكية التي يتبناها الكثير من السياسيين و المثقفين و هي تختلف عن الحلم الشيوعي الرومانسي مستحيل التحقيق ..

الملاحظ أن كل هذه الأنظمة في أساسها تحاول تبني فكرة سامية .. الفاشية ذاتها تعتمد على مبدأ التضحية بأهداف الفرد من اجل المجموع .. لكن تطبيقاتها الديكتاتورية  و انهزام الرايخ  في الحرب قضى على فرصتها في الانتشار .. الشيوعية حيث المساواة التامة بين الجميع دون وجود سلطة عليا .. تكاد تكون منتهى الحلم الإنساني .. لكن المشكلة أن تطبيقها في حد ذاته مستحيل دون قيود تحكم الطبيعة الإنسانية .. و وجود قيود يعني وجود سلطة و فساد في النهاية !

فهل وجود أفكار تتفق مع الإسلام في هذه المرجعيات يعد مبررا كافا كي نصف الإسلام أنه شيوعيا أو علمانيا ؟

و كيف يمكننا تجاهل التعارض الصارخ بين الأساس الفكري الذي بنيت عليه المرجعية الليبرالية و بين الإسلام .. و الذي يعني انه حتى لو اتفقت بعض التطبيقات و الأفكار الليبرالية مع الإسلام فهناك حتما ما يتعارض معه .

يلقب الفيلسوف الانجليزي جون لوك بـ ” أبو الليبرالية ” و في تصوراته الأولى للفكرة الليبرالية منذ أكثر من ثلاثة قرون يضع الشعب كمصدر للسلطات التي تضطلع بها الحكومات و ليس أي قوى غير طبيعية ” الأوامر الإلهية مثلا ”  .. و استمرت الرحلة الفكرية الليبرالية في البناء على هذا المبدأ .. لذلك فالأفراد يتمتعون بحرية و مساواة و حق في الاختيار دون تدخل من أي سلطة سواء حكومية أو دينية .

و بناء على ذلك يشير البعض إلى أن تطبيق النظام الديمقراطي الليبرالي سوف يتيح للشعب الاختيار ليس للرئيس فقط و لكن للنظام و المرجعية و الدستور .. و إذا اختار الشعب الإسلام يمكن أن نطبقه بناء على رغبة الأغلبية من الشعب .. و هنا نجد أنفسنا أمام مجموعة من المشاكل .

أولا .. الإسلام ليس مجموعة من العبادات إذا تمت تأديتها يتم استيفاء شروط الإسلام .. أن تدين بالإسلام معناه أن تقر بعبوديتك لله .. على أساس انه الخالق الواحد الأحد الذي بيده ملكوت كل شيء .. لذلك فأنت لست حرا بشكل مطلق .. أو حر ما لم تضر كما يقال .. بل إن هناك قيودا جادة يجب عليك التقيد بها سواء اقتنعت عقليا أم لا و سواء وافقت هواك و مصلحتك الشخصية أم لا .. أي انك تقر بوجود قوى غير طبيعية متجاوزة للعقل و المنطق و القانون الإنساني .. و أنت ملتزم بطاعة أوامر هذه القوى و تتمتع بحرية نسبية في حدود القيود التي تفرضها عليك هذه القوى ..

ثانيا .. إذا آمنت بالله .. لا يمكنك أن تخضع ما هو من عند الله لما هو من عند البشر .. لا يمكنك أن تكيف الدين على أساس اتفاقه و اختلافه مع مرجعيات بشرية .. الإسلام جاء قبل كل هذه المرجعيات من عند الله العليم الحكيم و من المفترض أن يتم إخضاع المرجعيات الليبرالية للمعايير الإسلامية و ليس العكس .. بحيث إذا كان هناك ما يضيف جديدا لمصلحة الناس و لا يتعارض مع الدين يتم الاستفادة منه و غير ذلك يتم رفضه ..

ثالثا .. الشريعة الإسلامية ليست اختيار بالنسبة للمسلمين .. لا يمكنك استفتاء الناس على تطبيق الشريعة .. و لا يمكنك أن تجعل حدود الله مسألة رغبة شخصية للأفراد .. هل تريد تطبيق حد السرقة أم لا ! .. هذا غير منطقي و غير مقبول من وجهة النظر الإسلامية .. و حتى بالمنطق المجرد من الايدولوجيا .. الإنسان لا يحب العقاب و لا يحب القيود و يميل إلى التحرر من القوى المسيطرة عليه .. لذلك تحتاج إلى أن تؤمن بشيء ما لتتنازل عن حريتك .. و في حالة الإسلام .. الشريعة و الحدود من الأمور التي فرضت عليك و ليس لك الحق في اختيارها ..

رابعا .. مبدأ الحرية الليبرالية يتيح للدولة التدخل في نطاق الحفاظ على حقوق الأفراد في  هذه الحرية فقط .. بينما الحرية في الإسلام مرتبطة بأحكامه و شريعته و حدوده .. لا يمكنك أن تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر في ظل الفكر الليبرالي دون أن تواجه تهمة التدخل في شؤون الآخرين بغير حق .. لا يمكنك أن تغير منكرا بيديك أو بلسانك .. لا يمكنك أن تحجر على حرية الآخرين في مخالفة شرع الله .. لا يمكنك أن تعترض على نشاط اقتصادي يغضب الله طالما هذا النشاط يعود على الدولة بربح مادي .. لا يمكنك أن تعترض على الحرية الجنسية أو المتاجرة بالجنس أو الاعتراف بالشذوذ .. طالما أنها لا تضرك بشكل مادي مباشر .. لا يمكنك الاعتراض على الربا أو الاحتكار طالما لا يتم عبر مخالفات قانونية .. و غير ذلك من الأمثلة التي توضح مقدار الاختلاف بين مرجعية ليبرالية و مرجعية إسلامية في أمور أساسية و هامة  ..

و على الرغم من ذلك تجد من يقول أن الإسلام ليبرالي أو أننا نحتاج إلى الليبرالية من أجل تحقيق المساواة و العدل و الحرية .. و كأنك تقف في وضح النهار و تحت ضوء الشمس المبهر و تبحث عن مصباح كهربائي بغرض الإضاءة ..

إن الإسلام عظيم مكتمل بشكل رائع و في غنى تام عن أي مرجعية بشرية .. و هو أسلوب حياة كامل للمسلم ليس مجرد شعائر .. و في تعاليم الإسلام و أحكام و حدود الشريعة تكمن جميع القيم الرفيعة من عدل و مساواة و حرية في حدود ما يرضي الله عز و جل .. و لا يوجد شيء اسمه إسلام ليبرالي و إسلام ديمقراطي و إسلام علماني .. إذا كنت مسلما  فالدين بالنسبة لك واحد و محدد و لا يحتاج إلى زوائد أو إضافات .. يقول الله تعالى :

” اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا “

سورة المائدة – الآية رقم ( 3 )

كذلك لا يمكن صباغة مرجعية أخرى بالإسلام دون هدم ما يتعارض في هذه المرجعية مع الإسلام و في حالة الليبرالية الإسلامية أراها كائنا مشوها لأن هدم ما يتعارض مع الإسلام في الليبرالية يتطلب هدم أساسها الفكري الذي يدور حول الحرية الفردية بالتالي لا تصبح ليبرالية !

و لكن هذا لا يعني أن الإسلام جامد لا يواكب تغيرات العصر و اختلاف الظروف .. فهناك أحكام ثابتة و حدود شرعية لا تتغير .. و في نفس الوقت هناك اجتهادات العلماء في كل عصر للتعامل مع متغيرات الزمان و مستجدات الحياة بما يتفق مع قواعد و أساسيات الدين ..  و يمكن للإسلام أن يستفيد من التجارب البشرية في كل النواحي الحياتية العلمية و الاجتماعية و السياسية بما فيها تجارب الليبرالية و لكن في التطبيقات العملية و التجارب الواقعية و ليس المرجعية الفكرية طالما هذه المرجعية تختلف مع أحكام و قواعد الإسلام .

 

كان هذا تناولا لفكرة ” ليبرالية الإسلام ” فقط .. بالتالي هو يناقش القضية من وجهة نظر أحادية ” إسلامية المنطلق ” و لا علاقة له بالتطبيق السياسي أو الواقعي للمرجعية الإسلامية في مصر حاليا .. كما أنه ليس له علاقة بسوء التطبيق أو الأخطاء البشرية عبر التاريخ  .. في الجزء القادم أتناول الاقتصاد الإسلامي .. و في الجزء الأخير أعرض النظام السياسي المقترح الذي يناسب – من وجهة نظر اجتهادية شخصية – الظروف الحالية بحيث يحقق ثمار الديمقراطية و الحرية و المساواة تحت مظلة مرجعية إسلامية .

محمد حسن

عن الليبرالية ج 3 – تطبيق سياسي

الخميس 19 مايو, 2011 عند 8:12 م | أرسلت فى حقن عامة, عن الليبرالية | أضف تعليق
الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

كلمة الليبرالية من أكثر المصطلحات تكرارا هذه الأيام إضافة إلى اشتقاقاتها مثل الليبرالية السياسية و الليبرالية الاقتصادية و الليبرالية الإسلامية .. و بعد أن تناول الجزء الأول نشأة الليبرالية و أساسها الفكري كمرجعية .. بقي أن نعلم هل نجحت تطبيقات الفكر الليبرالي في الواقع أم لا !

الديمقراطية أصبحت جزءا لا يتجزأ من النظام الليبرالي السياسي .. و لكن الممارسات الديمقراطية في حد ذاتها تعود إلى عصور أقدم بكثير من التي ظهرت فيها الليبرالية .. فأصل الكلمة مشتق من اللغة اليونانية على مقطعين بمعنى قوة الناس .. أي سلطة الشعب أو حكم الشعب .. و قد ظهرت بهذا المفهوم في اليونان القديمة .. لكنها كانت موجودة كممارسة بدائية في الحضارات الفينيقية و الهندية القديمة .. ثم ساهمت الدولة الرومانية في تطويرها .. و في عصور التنوير الأوروبية و مع قيام الثورات الأمريكية و الفرنسية و تأثر بالفكر الليبرالي أخذت الديمقراطية شكلها الحالي ..

ينظر إلى الديمقراطية على أنها الشكل النهائي و الأمثل للحكومة .. و بمرجعية ليبرالية يكون للشعب السيادة و الحق في تقرير المصير .. و يكون لكل فرد في المجتمع صوت متساوي مع بقية الأفراد .. و يتم تنفيذ رغبة الأغلبية من الشعب  بشكل مباشر أو عن طريق ممثليهم من خلال إجراء الانتخابات النزيهة .. بالتالي يكون الحكم و تقرير المصير في يد الشعب على هيئة حق كل فرد في التصويت بشكل متساوي .. طبقا للنظرية !

فرنسا و انجلترا و ايرلندا و ألمانيا و الولايات المتحدة .. أنظمة ليبرالية المرجعية و تعتمد تطبيقاتها لكن تركيب النظام في كل بلد يختلف .. بين المركزية و التمثيل الحزبي المزدوج أو المتعدد أو النسبي .. و حتى الحفاظ على الملكية إلى جوار البرلمان .. كل بلد حسب متطلباتها و مراحل تطورها السياسية أقامت نظاما و راعت فيه مرجعيتها و مارست تطبيقات تتفق مع هذه المرجعية ..

 لذلك فهناك فرق بين النظام و المرجعية و التطبيق .. و كما أن النظم قد تختلف بينما مرجعيتها ثابتة .. لا يعني استخدام النظام البرلماني أو تطبيق الديمقراطية أن ذلك يتم وفقا لمرجعية ليبرالية بالضرورة .

و السؤال ألان هل نجحت هذه الأنظمة في تحقيق أهدافها ؟

كيف يمكن معايرة النجاح أساسا .. على أساس رضا الشعوب عن الحكومات أم على أساس تحقق النظرية بشكل واقعي .. الحقيقة هي أن النظم الديمقراطية الحالية و التي قامت على أسس ليبرالية تفترض أن للناس الحق في تغيير واقعهم و تحسين أوضاعهم من خلال مشاركة فعلية في اتخاذ القرار .. هذه النظم ” نظريا ” تمنح الناس ” القدرة ” على التغيير لكنها تفشل ” عمليا ” .. فالاستبداد و التحكم الذي كان يمارس سابقا من الصفوة و الإقطاعيين أصبح تلاعبا سياسيا يمارس من قبل أقطاب الاقتصاد و السياسة على مستوى العالم .. فلم يعد خافيا أن مجموعة من القوى المحددة هي التي تملك القرار و تمارس ديمقراطية الأقلية  مستخدمة نفوذها الاقتصادي و الذي يسخر لها قوة الإعلام الجبارة لتحقيق مصالح شخصية .. و أصبح ذلك ممكنا نظرا لتساوي قوة الأصوات التي يحملها أفراد المجتمع بالتالي يمكن حشد هذه الأصوات في أعداد كبيرة لتحقيق أهداف قريبة أو بعيدة المدى لكنها بعيدة كل البعد عن المصالح الشخصية لكل فرد !

و لكن كيف يمكن ذلك ؟ كيف تتحول المساواة و الحرية إلى تحكم أقلية و تحقيق مصالح شخصية ؟

هناك مثالين لإيضاح هذه المسألة .. أولا .. الاستفتاء الشعبي على التعديلات الدستورية الذي مارس فيه الشعب المصري أول مشاركة ديمقراطية نزيهة في العصر الحديث .. فقد انقسم الناس إلى فئتين .. الأولى هي فئة تضم اغلب المثقفين و أصحاب النشاط السياسي و الإعلاميين و الفنانين .. قالت ” لا ” و الثانية تضم بعض من النخبة السابقة مع عموم الناس إضافة إلى التيارات الدينية الإسلامية .. و قالت ” نعم ” .. و عندما أعلنت النتيجة .. اشتعلت أزمة جديدة مؤسفة .. فأنصار الاختيار ” لا ” اتهم بعضهم جموع الشعب بانعدام و الوعي و الانقياد و البرمجة على كلمة ” نعم ” .. بينما اتهم البعض الآخر التيارات الدينية بالتلاعب بعواطف الناس و استغلال الدين للتأثير عليهم !

المشكلة هنا أن رفض استخدام الدعاية الدينية أو الحجر على أفكار تيار معين و منعه من التعبير عن رأيه و المناداة به و الدفاع عنه .. يتعارض بشكل كبير مع مبادئ الليبرالية و الديمقراطية و حرية التعبير .. لا يمكنك أن تدعي انك ليبرالي بينما تكمم فم فئة من المجتمع كي تحمي جموع الشعب الغير واعية  من التأثر بأفكارهم ..

مهلا .. هل جموع الشعب قابلة للتلاعب بالعواطف ؟ هل الفرد الحر الذي يتمتع بحقوق متساوية مع بقية أفراد المجتمع قد يخضع لعوامل تؤثر على قراره بناء على عاطفة أو انعدام و عي أو جهل أو خطا في التفكير ؟ .. مبروك .. هذا يهدم فكرة الديمقراطية الليبرالية .. ما لم تتغلب على هذه العقبة عن طريق تحييد عواطف الناس ( مستحيل ) و رفع المستوى للمعرفي للجميع بحيث يكون كل فرد قادرا على اتخاذ قرار سليم في أي قضية سياسية أو اقتصادية أو غيرها تعرض عليه ( مستحيل أيضا أن تصل بالناس جميعا إلى هذه الدرجة الشاملة من المعرفة ) .

المثال الثاني للتأثير الإعلامي .. و هو موقف المواطن الغربي من القضية الإسرائيلية .. فعلى الرغم من زيادة الوضوح في السنين الأخيرة لحجم التجاوزات الإسرائيلية إلا أن المواطن العادي قد ترسخ لديه منذ فترة طويلة فكرة أن إسرائيل هي واحة الحرية و الديمقراطية التي تناضل للبقاء وسط العرب المتوحشين ! .. و لن تجد الكثير من الناس في الغرب يعلمون حقيقة و تطور القضية .. بل يظنون أن إسرائيل هناك منذ بدء التاريخ و يقتنعون بحقها الكامل في الوجود !

إذن فالفرد العادي في المجتمع لديه صوت ثمين يمكن كسبه عن طريق استغلال عاطفته أو جهله و عن طريق التأثير الإعلامي القوي يمكن أن يتم حشد هذه الأصوات لتكون قوة محركة و منفذة لرغبات نخبة قليلة من القوى الاقتصادية أو السياسية ..

لذلك تعد الديمقراطية الليبرالية ناجحة نظريا بينما عمليا يتحكم في أقدار الشعوب هذه النخبة من القوى .. و تبدوا الصورة جميلة و الشعوب راضية نتيجة للتضليل الإعلامي إضافة إلى أن نجاح الدولة لا يعتمد أساسا على النظام سواء فاشي أو ليبرالي أو غيرها .. نجاح النظام يعتمد على مقدار ما يحققه من متطلبات الشعب و مقدار ما يشعر به الفرد من رفاهية متضمنة مظاهر الحرية المختلفة .. و يمكن لنظام ملكي غير دستوري أن ينجح و يصنع حضارة عظيمة طالما يجيد إدارة البلاد و تحقيق العدل و الرفاهية للشعب .. و الأمثلة التاريخية كثيرة و متنوعة عن حضارات ازدهرت في ظروف مختلفة و أنظمة سياسية متنوعة .

كذلك إن إعطاء الفرد العشوائي في المجتمع الحق في الاختيار الذي لا يتعلق بشخصه فقط .. لكنه يتعلق بالمجتمع ككل .. دون ضمان مستوى الذكاء و الوعي و الحيادية الذي يتمتع به .. و دون حمايته من المؤثرات العاطفية .. ودون إعطائه المعرفة المتخصصة الكافية ليكون رأيا منطقيا مبني على تفكير علمي سليم .. يعد تعديا على حق المجتمع ككل .. لأن الاستخدام الخاطئ لهذا الحق يضر بالمجتمع ككل و ليس بالفرد فقط .

كل ذلك لا يعني أن مبادئ الديمقراطية الأساسية غير قابلة للتحقيق .. فحكم الشعب و حق تقرير المصير و مشاركة كل فرد في المجتمع في اتخاذ القرار أمر مفروغ منه .. لكنه لا يتحقق بالضرورة من خلال المرجعية الليبرالية أو الأنظمة الديمقراطية الليبرالية ..

و كما أقدم انتقادات يجب أن أقدم البدائل التي تحقق نفس الأهداف التي نتفق عليها جميعا .. و هو ما سأقوم به في الجزء الأخير .. لكن قبل ذلك  .. علينا تناول ما يسمى بالليبرالية الإسلامية .. و هل حقا الإسلام ليبرالي ؟!

محمد حسن

عن الليبرالية ج 2 – تطبيق اقتصادي

الخميس 19 مايو, 2011 عند 8:07 م | أرسلت فى حقن عامة, عن الليبرالية | أضف تعليق
الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

كلمة الليبرالية من أكثر المصطلحات تكرارا هذه الأيام إضافة إلى اشتقاقاتها مثل الليبرالية السياسية و الليبرالية الاقتصادية و الليبرالية الإسلامية .. و بعد أن تناول الجزء الأول نشأة الليبرالية و أساسها الفكري كمرجعية .. بقي أن نعلم هل نجحت تطبيقات الفكر الليبرالي في الواقع أم لا !

الليبرالية التقليدية كانت تتبنى فكرة الحرية الكاملة للسوق .. و قد كانت بداية الرأسمالية كنظام اقتصادي معتمد في نفس الحقبة التي بدأت فيها الليبرالية مع القضاء على النظام الإقطاعي الذي كان سائدا قبلها ..

و حرية السوق تعني أن يكون المتحكم الوحيد في النشاط الاقتصادي هو توازن العرض و الطلب دون تدخل من الدولة .. و الرأس مالية تعني أن تكون الموارد الطبيعية ( أراضي – مناجم ) و السلع الرأسمالية ( معادن – مصانع – مباني ) مملوكة لأصحاب رأس المال الذين يستخدمون الموارد البشرية في إنتاج سلع استهلاكية – و ذلك مقابل أجر لهم الحق في تحديده طبقا لظروف السوق – و الهدف أو المحرك لهذه العملية هو تحقيق الربح الشخصي .

و المفترض أن هذا التفاعل الاقتصادي سوف يقود إلى الاستقرار و تحقيق فرص العمل و الرخاء بشكل عادل و الوصول إلى الأمان الاقتصادي .. طبقا للنظرية !

لكن الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم في أوائل القرن العشرين و عرفت بالكساد العظيم أثبتت فشل هذا الاتجاه .. فقد انخفضت معدلات الاقتصاد الأمريكي مثلا إلى أكثر من النصف و ارتفعت نسبة البطالة إلى خمسة و عشرين بالمائة .. و بدلا من أن يوازن السوق نفسه كما كان مفترض أخذت الأزمة في الازدياد و المؤشرات في التدهور .. و لولا التدخل الكبير من الدولة و ضخ الأموال في السوق و إنقاذ البنوك التي أخفقت بسبب الفقاعة الاقتصادية – و التي نتجت من زيادة القروض بالفائدة إلى درجة اكبر عشر مرات من قيمة الأصول – لكان الوضع قد ساء أكثر من ذلك .. و يذكرنا هذا بالأزمة الاقتصادية القريبة منذ أعوام و التي أثارت الجدل حول النظرية الاقتصادية الرأس مالية مجددا ..

 ثم كانت الحرب العالمية الثانية هي المنقذ الذي دفع بالاقتصاد الأمريكي إلى الأمام نتيجة لزيادة النفقات العسكرية و التجنيد و التسليح مما قضى على مشكلة البطالة أيضا .. و بعد الحرب أصبحت الحاجة إلى ليبرالية اقتصادية حديثة ملحة .. بحيث يتاح للدولة التدخل في أوقات الأزمات للحفاظ على استقرار المجتمع و عدم انهيار الاقتصاد .. سواء عن طريق الحد من حرية السوق و فرض قيود على الأسعار و ضخ الأموال في البنوك و تقليص أو إلغاء قيمة الفائدة على حسب الحاجة .. و تجلى ذلك في الأزمة الاقتصادية القريبة و في أمريكا رائدة الاقتصاد الحر في العالم ..

يمكننا أن نقول أن النظرية تصحح نفسها و تتطور .. لكن لا يمكننا إنكار التنافي الصريح مع المبدأ الليبرالي الذي يعني بالحرية الفردية و المصلحة الشخصية دون تدخل من الدولة إلا في حدود تنظيم و ضمان هذه الحرية و المساواة .. كما لا يمكن تجاهل الاختلال العميق في توزيع الثروات و الفروق بين الطبقات نتيجة لتراكم الثروة و الاحتكار مما ينفي تحقق العدل و الرخاء بشكل متساوي !

و الأكثر إثارة للانتباه هو أن التوصيات و التعديلات التي تتمثل في تقييد حرية السوق فيما يتعلق بالاحتكار للسلع الحيوية و تقليص قيمة الفائدة على القروض ( الربا ) و تحديد الأسعار فقط في أوقات الأزمات التي تهدد المجتمع .. ما هي ألا الخطوط العريضة التي وضعها الإسلام لتنظيم النشاط الاقتصادي قبل ظهور الليبرالية و الرأس مالية بقرون عشرة ليحمي المجتمع من مخاطر تراكم الثروة أو سوء استغلالها .. و هو ما يحدث بالفعل في كل المجتمعات التي تتحول إلى الرأسمالية و حرية السوق تبعا لتوصيات أمريكا و  البنك الدولي .. معدلات التنمية الاقتصادية العالمية ترتفع حقا نتيجة زيادة حجم الاستثمارات .. لكن الواقع أن الشعوب تزداد فقرا و البلاد تزداد ديونا .. و لا يستفيد من هذا إلا الشركات الدولية العملاقة و كبار رجال الأعمال .. و ليست مصر المثال الوحيد .. تجربة المكسيك مع الديون و البنك الدولي و الاستثمارات الأجنبية خير مثال و عبرة ..

من المغري أن  أتناول الأمر من المنظور الإسلامي الذي يحقق نظامه الاقتصادي اكبر قدر ممكن من القدرة على تجنب هذه المشكلات ..و لكن بعد أن نتحدث في الجزء القادم عن الديمقراطية و التي هي بلا شك الكلمة الأكثر تداولا على السنة الجميع هذه الأيام .. فهل تحقق الديمقراطية الليبرالية  أهداف و مبادئ الليبرالية حقا .. و هل يحكم الشعب فعلا ؟!

 

محمد حسن

عن الليبرالية ج 1 – تعريف

الخميس 19 مايو, 2011 عند 8:01 م | أرسلت فى حقن عامة, عن الليبرالية | أضف تعليق
الأوسمة: , , , , , , , , , , ,

كلمة الليبرالية من أكثر المصطلحات تكرارا هذه الأيام إضافة إلى اشتقاقاتها مثل الليبرالية السياسية و الليبرالية الاقتصادية و الليبرالية الإسلامية .. و لقد حاولت أن أتعرف على الليبرالية مفهوما و تطبيقا و علاقتها بالإسلام .. ليساعدني ذلك على أن احدد موقفي من كافة هذه المصطلحات .. لذلك فما يلي هو اجتهاد شخصي أتمنى أن يصححني فيه من يجد أخطاء فيما أصل إليه ..  و البداية يجب أن تكون مع بداية الليبرالية نفسها ..

كلمة ليبرالية مشتقة من اللغة اللاتينية بمعنى الحرية .. و لقد نشأ المبدأ الليبرالي في ذروة الحروب الدينية الأوروبية في القرنين السادس عشر و السابع عشر الميلاديين .. و بدا في التشكل كمرجعية بعد نهاية الحرب الأهلية في انجلترا و انتقال السلطة إلى البرلمان – أقطاب الاقتصاد و الصناعة حينها – .. و قد لعبت الأفكار الليبرالية دورا هاما في الثورة الأمريكية و في تشكيل الحياة السياسية و الاجتماعية بعد نهاية الحرب .. ثم توجت هذه المبادئ بالثورة الفرنسية بعد ذلك .. لكن أول ظهور لكلمة الليبرالية نفسها بمفهوم اقرب للمتعارف عليه كان في القرن التاسع عشر في انجلترا .

فما الذي تعنيه الليبرالية ؟

الفكر الليبرالي بني في أساسه على اعتماد الحرية و المساواة كدعامة للنشاطات الإنسانية و خصوصا الأنظمة الحاكمة .. أن يكون الشخص حرا في ممارسة نشاطاته الإنسانية و تطوير نفسه و تحسين حياته بالشكل الذي يناسبه دون تدخل من الدولة أو أي سلطة لأشخاص آخرين .. و أن تكون سلطة الحكومة مستمدة من المحكومين و ليس أي مصدر آخر ..

و لا يخفى على احد أن الأسباب التي أدت إلى نشأة الفكر الليبرالي تعود إلى فترات الظلم و الاستبداد و عصور الظلام في أوروبا .. حيث ضاق الليبراليين الرواد ذرعا بالسيطرة و النفوذ الديني للكنيسة و بالنظام الملكي و انعدام العدالة الاجتماعية و التمييز بين عامة الشعب و بين الأسر الحاكمة و أصحاب النفوذ .. و كانت الحاجة ماسة إلى فكر و مرجعية أكثر تطورا و أكثر تمحورا حول الفرد كإنسان له حق طبيعي متساوي في المجتمع ..  لذلك ظهرت المبادئ الليبرالية و أخذت تتبلور عبر القرون الأربعة الأخيرة .. و من هذه المبادئ – التحرر من جميع السلطات و المساواة في الحقوق – انبثقت أو تطورت  مفاهيم و تطبيقات كثيرة تعتمد على المرجعية الليبرالية .. أشهرها الديمقراطية و سيادة القانون و الرأس مالية و حرية السوق و حرية الاعتقاد و فصل الدين عن الدولة و النظام المؤسسي و حقوق الإنسان .. الخ .

كما انبثقت أيضا مرجعيات هجينة مثل الليبرالية الاشتراكية و الديمقراطية الاشتراكية .. لكننا سنتناول هذا لاحقا .

هل نجحت الليبرالية ؟ هل هي النظام المثالي ؟

مبدئيا .. ارفض إطلاق كلمة المثالي أو الكامل أو الأفضل بشكل مطلق على أي إنجاز أو مبدأ بشري ابتكره الإنسان ..

الإنسان يسعى دائما نحو الأفضل .. و كما أننا وصلنا إلى مستوى متقدم علميا و طبيا مثلا .. لا يمكننا التوقف و ادعاء أننا حققنا الأفضل أو الأكمل .. دائما هناك المزيد .. لماذا إذن لا يتم التعامل مع المبادئ الفلسفية أو السياسية بنفس المنطلق ؟

و لأن الاتجاه الليبرالي في الأساس مبدأ أو فكرة يتم البناء عليها أو الاستنباط منها .. فخير دليل على نجاحها أو فشلها هو ما تأثر بها من تطبيقات أو أنظمة .. و لأن الرأس مالية و الديمقراطية من أهم و أشهر التطبيقات المرتبطة بالمرجعية الليبرالية  فسوف أتناولهما  في الجزء القادم من حيث التطبيق و الفرق بين النظرية و الواقع .

محمد حسن

دواء جديد لالتهاب الكبد الفيروسي ( سي )

الثلاثاء 17 مايو, 2011 عند 10:35 م | أرسلت فى حقن للصيادلة, حقن عامة | تعليق واحد
الأوسمة: , , , ,

أعلنت شركة ميرك الأمريكية – المعروفة عالما بـ ميرك شارب أند دوم – عن إجازة إدارة الغذاء و الدواء الأمريكية –  FDA – للدواء الحديد ” فكتريليز VICTRELIS ” و الذي يحتوي على المادة الفعالة ” بوسيبريفير Boceprevir ” و يستخدم لعلاج الالتهاب الكبدي الفيروسي سي من النوع الجيني 1 عن طريق إضافته إلى مجموعة العلاج الأساسية المعترف بها – انترفيرون الفا Interferon alfa  و ريبافيرين Ribavirin  – بحيث يستخدم الثلاثة كنظام علاج معتمد لهذا النوع من الفايرس لمن تجاوزت أعمارهم الثامنة عشرة سواء خضعوا للعلاج سابقا أم لا .

نبذة عن المرض :

 الالتهاب الفيروسي للكبد ينشأ نتيجة للإصابة بأحد الفيروسات الخمسة ( A – B – C – D – H ) و التي ينقسم كل منها إلى أنواع جينية مختلفة .. و بالنسبة للنوع  ( C ) – سي .. فإن له ستة أشكال جينية مختلفة أهمها على مستوى العالم هو النوع 1 و الذي يشكل النسبة الأكبر من الإصابة عالميا ( حوالي 90 % بالولايات المتحدة ) .

عند الإصابة بعدوى الفايرس سي .. يستطيع الجهاز المناعي القضاء على العدوى في 20 إلى 30 بالمائة من الحالات .. بينما لو لم يستطع جهاز المناعة التغلب على الفايرس لمدة ستة أشهر .. يصبح المرض مزمنا و هو الشكل الأشهر للمرض .. و يحتاج إلى التدخل العلاجي السريع .. و لكن المشكلة أن الإنسان قد يحمل الفيروس في دمه لعدد من السنين دون ظهور الإعراض .. و ينشط الفايرس في خلايا الكبد و يدمرها .. و مع الوقت تتلف الخلايا الكبدية فيحدث ما يمسى بالتشمع ثم التليف للكبد .. و عندما يتناقص عدد الخلايا السليمة تبدأ الأعراض في الظهور تباعا و بشدة متدرجة .. و في أصعب و أكثر الحالات تأخرا تظهر أعراض الفشل الكبدي من استسقاء و صفراء و نزيف و أحيانا سرطان كبدي .. و تكون الحاجة ضرورية لزراعة كبد جديد .. في الواقع إن اغلب حالات زراعة الكبد في العالم تكون نتيجة لهذا المرض !

لذلك كلما كان اكتشاف المرض مبكرا .. كلما كانت فرصة الشفاء كبيرة و كانت نسبة الوفاة في عمر مبكر ضئيلة .. و بلا شك فإن الوقاية خير من العلاج .. و من المهم جدا أن نعرف أسباب و كيفية انتقال العدوى .. خصوصا و إننا فشلنا حتى الآن في إنتاج لقاح صالح للوقاية من هذا المرض !

بما أن المرض ينتقل أساسا عن طريق الدم .. فالدم الملوث هو أهم أسباب انتقال العدوى .. لذلك تبادل الإبر بين المدمنين أو عدم الاهتمام بالتعقيم في العيادات المختلفة لاسيما عيادات طب الأسنان و التعرض إلى الدماء الملوثة من شخص مصاب كلها أمور يجب الحذر منها .. كذلك ينتقل المرض من الأم المصابة إلى الجنين ..

أما الاختلاط مع المريض في الحياة اليومية فلا يؤدي إلى انتقال العدوى و لكن يجب الحذر عند استخدام المتعلقات الشخصية .. مثل موس الحلاقة و فرشاة الأسنان و كل الأشياء الخاصة التي قد تتعرض إلى التلوث بالدماء المصابة .. لا ينتقل المرض عن طريق اللعاب بصفة عامة .. لكن الحذر واجب أيضا بخصوص أدوات الطعام و الشراب .. كذلك ممارسة العلاقة الجنسية في حدود علاقة الزواج بالمفهوم العربي و الإسلامي ( عدم التعدد في العلاقات الجنسية ) نادرا ما يؤدي إلى انتقال المرض مما يجعله اقرب إلى عدم الحدوث و لكن توصيات مركز السيطرة و الوقاية من الأمراض ” CDC ” تنصص على استخدام الواقيات الذكرية عند ممارسة العلاقة مع الشخص المصاب بالفايرس سي .

لكن إذا حدثت الإصابة لا قدر الله فيجب أن يبدأ العلاج سريعا قبل انتشار الفايرس و قبل أن يتضرر الكبد كثيرا .. و العلاج بصفة عامة يعتمد على تقوية المناعة الطبيعية للجسم و مقاومة انتشار الفايرس إلى الخلايا الكبدية الجديدة و هو الدور الذي يقوم به الانترفيرون الفا .. و القضاء على الفايرس و الوصول به إلى مستويات قليلة أدنى من قدرة التحاليل الطبية على تمييز وجود الفايرس في الدم و هو الدور الذي يقوم به الريبافيرين .. و بوصول المريض إلى هذه الحالة و عدم عودة الفايرس إلى المستويات التي تكتشفها التحاليل لفترة طويلة و هو ما يطلق عليه ” SVR ” يكون العلاج قد نجح و يعتبر المريض وصل إلى مرحلة الشفاء في حالة هذا المرض !

في حالة النوع الجيني 1 فإن المعدل العالمي للوصول إلى حالة الشفاء هذه باستخدام هذين العقارين فقط كعلاج هي من 40 إلى 50 % من الحالات المصابة .. فماذا أصبحت بعض إضافة الفكتريليز ؟

نبذة عن الدواء الجديد :

انه الأول من نوعه الذي تجيز الـ FDA استخدامه لعلاج الفايرس سي .. و هو ينتمي إلى مجموعة دوائية تعرف بمثبطات البروتييز protease inhibitors  .. و البروتييز هو إنزيم هام موجود في الفايرس يلعب دورا أساسيا في تكاثره و انتشاره .. بالتالي فالدواء الجديد يهاجم الفايرس مباشرة .. و قد خضع الدواء إلى عدد من التجارب قبل أن تجيز الـ FDA استخدامه ..

طبقا لظروف هذه التجارب فقد تم تقسيم المرضى المختارون بعناية إلى مجموعتين .. احدهما تلقت علاجا ثنائيا من الانترفيرون الفا و الريبافيرين .. و الأخرى تلقت علاجا ثلاثيا بإضافة البوسيبريفير ( الفكتريليز )  إلى المجموعة .. و كانت النتائج توضح فروقا عظيمة .. فالمجموعات التي تلقت علاجا ثنائيا حققت نسبة شفاء 21 % و 38 % .. بينما تراوحت المجموعات التي تلقت علاجا ثلاثيا بين 59 % و 66 % .

لذلك فمن المتوقع عند طرح هذا العلاج و استخدامه على نحو واسع أن تصل نسبة النجاح إلى أكثر من 75 % .. و كما خضع التأثير الايجابي للعلاج إلى التجارب فإن الأعراض الجانبية أيضا تم تقييمها في نفس التجارب .. و نوعية الأعراض لم تختلف كثيرا عن التي تظهر مع العلاج الثنائي .. أشهرها الأنيميا ( لذلك يحصل مرضى الفايرس سي الذين يتلقون علاجا ثنائيا على أدوية أخرى تساعد على رفع عدد كرات الدم الحمراء و البيضاء أثناء فترة العلاج ) و كذلك الإرهاق و الصداع و الغثيان و ارتفاع درجة الحرارة و فقدان حاسة التذوق مؤقتا ..

خلال التجارب قد تعرض 13 % من المرضى إلى أعراض جانبية شديدة مع العلاج الثلاثي  أدت إلى قطع العلاج للتخفيف من حدة الأعراض  .. لكن هذا يعتبر جيدا لأن النسبة المقابلة في حالة العلاج الثنائي كانت 12 % .. مما يعني أن الفرق في شدة الأعراض يعد ضئيلا بين المجموعتين .. و هو ما يمكن تقبله بالنظر إلى الفرق الكبير في النتائج العلاجية .

و كورس العلاج عبارة 800 ملج تؤخذ ثلاث مرات يوميا بعد الأكل ( أربع كبسولات تركيز الواحدة 200 ملج ) و يتم إضافاتها بعد أربعة أسابيع من العلاج الثنائي لكبح الفايرس قبل إضافة الفكتريليز .. و ذلك لأن مشكلة مجموعة مثبطات البروتييز هي قدرة الفايرس على أن يكون سلالات مقاومة لها .. و لذلك لا يمكن استخدامه وحيدا و يتم تأخير إضافته إلى العلاج لتجنب حدوث هذه المقاومة أو تأخيرها قدر الإمكان .

و بناء على استجابة المريض للعلاج و تأثر الفايرس يتم تعديل الجرعة في الأسبوع الثامن ثم الثاني عشر ثم الرابع و العشرون .. كل مريض على حسب حالته !

و قد وعدت شركة ميرك بتوفير الدواء في الصيدليات خلال أسبوع من إعلان هيئة الغذاء و الدواء إجازة استخدامه في الثالث عشر من مايو 2011 .. كما أعلنت إضافته إلى برنامجها لمساعدة المرضى الغير مؤمنين أو الغير قادرين ( من يقل دخلهم عن 43 ألف و 320 دولار أمريكي سنويا للفرد الواحد ! ) .. و يكلف العلاج 1100 دولار أسبوعيا .. و هو ما يتراوح بين 26 ألف دولار و 48 ألف دولار للكورس الكامل حسب كل حالة .

مردود هذه الطفرة على حالة المرض في مصر :

لا توجد معلومات بعد عن توافر هذا الدواء عالميا و لا توجد معلومات عن تأثير هذا الدواء على الأنواع الجينية المختلفة من الفايرس سي ..

فعلى الرغم من أن النوع 1 هو الأكثر انتشارا عالميا .. إلا أن النوع 4 هو المنتشر في مصر ( حوالي 90 % ) من الإصابات !

و الواقع أن قصة مصر مع الفايرس سي مؤسفة للغاية .. و تعود إلى الستينيات و السبعينيات و بداية الثمانينيات .. تحديدا حتى ما قبل العام 1986 .. حيث كانت الحملات الحكومية لعلاج البلهارسيا باستخدام عقار الطرطار Tartar  عن طريق الحقن تجوب ربوع مصر كلها  .. و المشكلة في السرنجات الزجاجية التي كانت مستخدمة حينها لضغط النفقات و الغفلة عن التأثيرات المدمرة الناتجة عن سوء التعقيم و الذي كان عبارة عن غلي المحقن في الماء !

أدى هذا إلى انتشار المرض بشكل كبير .. قالت المصادر الحكومية في العام 2010 أن 10 % من الشعب حاملين للمرض .. و قدر الباحثون و الأطباء النسبة الحقيقية ب 15% إلى 20 % .. لكن نسبة كبيرة من حاملي المرض لا تظهر عليهم الأعراض .. و تمثل مصر أعلى نسبة إصابة في العالم كله !

كذلك نسبة الإصابات الجديدة إلى عدد السكان هي الأعلى حيث تشخص 500 ألف حالة سنويا بالمرض ! .. و يرجح أن سبب ذلك هو عدم الاهتمام بتعقيم الأدوات الطبية و خاصة في عيادات الأسنان إضافة إلى محلات الحلاقة الشعبية و عمليات الختان التي يقوم بها أشخاص غير مرخصين و غيرها !

لذلك فمصر التي هي أحوج دول العالم إلى طفرة حقيقية في علاج هذا المرض المتأصل الذي يضع عبئا نفسيا على المريض و اقتصاديا على المريض و الدولة معا نظرا لارتفاع تكلفة العلاج و عدم القدرة على العمل  .. هي أخر دول العالم استفادة من هذا الدواء الجديد ..

 و لدينا طريقين .. إما الانتظار حتى يتم بحث تأثيره على الأنواع الجينية المختلفة من الفايرس أو اشتقاق مركبات تنتمي إلى نفس المجموعة تصلح في علاج النوع 4 في المعامل الأمريكية .. أو العمل ليل نهار و إنفاق الأموال في سبيل البحث عن خلاص من هذا الحمل الجاثم على صدورنا منذ أكثر من عقدين من الزمان !

أتمنى حقا أن يكون مشروع القضاء على الفايرس سي في مصر من خلال التوعية و الرقابة بخصوص انتشار المرض و  ابتكار علاج له بعقول و مجهودات مصرية و ليس انتظار و استيراد العقارات الجاهزة من الشركات الغربية التي يسعدها بلا شك أن تتاجر بأمراضنا إضافة إلى جهلنا و إهمالنا !

 

محمد حسن

الصفحة التالية «

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.